كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
أجيال طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

الأحد، في العاشرة ليلاً، سقط الأب ميتاً لأن ابنه باع أرضه، باع (عرضه وشرفه)! وبينما هو يحشرج حشرجاته الأخيرة صرخ الابن: نعم بعتها، حياتكم لا تعجبني. أنتم تدفنون أنفسكم في الفقر! وبعد جزء من الثانية انقلب المشهد ليظهر لنا هذا الابن العاقّ وهو يرقص مبتهجاً في عرسه! ثم أقفلت الشاشة على النهاية! فاتعظوا!

واحد من المواضيع القليلة التي ما فتئت السينما والتلفزيون العربيين تستنزفه وتعيد استنزافه بتطويرٍ في نوعية الفيلم الخام، ونوعية الكاميرات وآلات المونتاج والأزياء والممثلين والمخرجين والفنيين وتطورات آليات العرض والبث والاستقبال.. دون أن تفكر للحظة واحدة أن شيئاً ما تطور في النظر إلى هذا الأمر: صراع الأجيال!
ربما يكون من الصعب جداً تعداد الأعمال الفنية، من مختلف الأصناف، التي مات فيها أحد الوالدين، أو أصيب بأحد أمراض القلب أو الشلل، نتيجة لتصرفات الابن (أو الابنة) العاقّ!
ولماذا هو عاقّ؟ لأنه لم يقبل تصور الآباء فيما يخص حياتهم! نعم حياتهم: أي حياة الأبناء! ولأن الآباء حكماء وخبراء وأصحاب بعد نظرٍ. وهم على حق دائماً! ولأن الأبناء متمردون وطائشون ونزقون ومتهورون! ولأنهم أنانيون وقصار نظر. بل وجهلة مهما كانت شهاداتهم وتعليمهم وثقافتهم! وهم يفشلون دائماً في النهاية!
ودائماً، كي تكتمل دائرة الخير والشر الساذجة التي لم تعد تصلح حتى حكاياتٍ للأطفال، هناك أسرة أخرى، أبٌ وأمٌّ صالحان وأبناء خيرون مطيعون! ولأنهم مطيعون فهم حكماء وناجحون وسعداء!
أما أن يفكر أحدٌ ما في معالجة الأمر على غير هذا النحو، أن يعالجه كما هو في الحقيقة: وجهات نظر بنيت في ظروف حياةٍ وشروط عيشٍ ومعرفةٍ واكتشافاتٍ وزمنٍ مختلفين، فهذا حلم إبليس في الجنة! لا لشيء سوى لأن (أصالتنا) تقتضي ذلك! أم هل أقول (شرقيتنا) كما كتب نزار قباني ذات يومٍ أغنيةً رائعةً لماجدة الرومي لم يتوان عن ختمها بأسوأ خاتمة: غير أن الشرقيَّ لا يرضى بغير أدوار البطولة؟
الآباء والأبناء، صراع لم يتوقف منذ وجد آباء وأبناء. الآباء الذين بنوا آراءهم على خبراتهم التي كونوها في ظروفهم وشروطهم العامة والخاصة. والأبناء الذين يعيشون الآن ظروفاً وشروطاً خاصة وعامة فيها الكثير من الجديد، وأكثر من المتغيرات التي لا تتوقف عن التغير. ولأن طبيعة الإنسان أن قدرته على قبول الجديد وتفهمه والتعامل معه تتضاءل كلما تقدم في السن، ويميل أكثر إلى الاعتقاد أن تجربته هي خلاصة التجربة الإنسانية التي (أثبتت الأيام صحتها). ولأن طبيعة الإنسان أن طاقته لا تحد في مرحلة من العمر، ونزوعه إلى إيجاد حلول أكثر نجاعة وأوسع أفقاً، وميله إلى الاعتقاد أن في إمكانه تحقيق ما لم يُحقق. لأن الإنسان كذلك، لا مفرّ من هذا الصراع. ولماذا نفرّ منه؟ لماذا نريد أن نقمعه أو نؤطره أو نقنونه؟ أليس هذا الصراع هو واحدٌ من أهم محركات الحياة، في جوانبها كلها، على مرّ التاريخ؟
لقد توقف العالم منذ زمنٍ بعيدٍ عن معالجة هذا الأمر، وأمور أخرى، بهذه الطريقة البائسة. وراح يبحث في جوهر هذا الصراع، في حق الجديد في أن يَعرف ويكتشف ويبحث ويجرب ويكون. في حق القديم أن يُسمع ويُرى ويُفهم. بل الأهم، في أفضل شكلٍ للعلاقة بين كلا الأمرين بحيث يستطيع كل منهما أن يعيش بالتجاور والتفاعل والتشارك مع الآخر دون أن يكون أحدهما هدفاً للآخر. أما نحن، فما زال آباؤنا يُجلطون وينشلون، يشهقون ويموتون لأننا لم نطعهم!
خطر في بالي سؤال بسيط: إذا كان الأمر على هذا النحو الذي تقدمه الشاشات، فكيف وصلنا الآن إلى إنجازنا الرفيع: عشرين مليون ابن آدم؟!

*- جريدة "النور"- العدد (161)-  28/7/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS