كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
ثقافة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

قبل وقت طويل بعض الشيء، أوردتُ معلومة خاطئة في إحدى الزوايا. وفي الزاوية التي تليها، أشرتُ إلى خطئي ذاك. واعتذرت، بطريقتي، عما اقترف قلمي. آنذاك قال لي صديق صحفي يرق قلمه حتى تكاد تظنه خيط نور، ويقسو حتى تشعرَ بالنصل يخترقك، قال لي: إنه ما كان عليّ أن أشير إلى الخطأ، ولا أن أعتذر عنه. إذ يجب أن أفترض وجود متابعين ثابتين للزاوية، حتى إذا كان قارئاً واحداً. ويجب أن أعمل، وأحافظ، على صورة ثابتة في ذهن هذا القارئ. صورة لا تتضمن إمكانية الخطأ. والأهم أن لا تتضمن أي صيغة تنازل أو اعتذار.

فكرتُ في الأمر. حقاً، لماذا عليّ أن أصحّح الخطأ؟ ولماذا علي أن أعتذر؟ ما الزاوية التي أكتبها أصلاً؟ وكم عين ستمرّ عليها؟ وكم من هذه العيون ستسمح لما رأته بالتغلغل عبر أليافها البصرية لتتجول وتتصارع في أروقة الدماغ المظلمة؟ ثم، أياً كان الأمر، لماذا عليّ أن أعتذر عن خطئي؟ ألستُ، في هذا الأمر، أنا المركز، والقراء هم الدائرة؟ ألستُ محمياً إذاً من كل أولئك الذين لا يمتلكون المعلومة الصحيحة؟ بل تصير معلومتي الخاطئة هي الصحيحة؟ وغير ذلك، ألست ابن هذا البلد الذي ألغى من موسوعته اليومية ثقافة الاعتذار؟ وثبّت ثقافة الحق المطلق، والصحة المطلقة سمةً أصيلةً لكل مركزٍ مهما تفه؟ هل سمعتم بأبٍ يعتذر من ابنه لأنه فرض عليه مستقبلاً لا يناسبه، وليس إلا تعويضاً عما فشل هو في تحقيقه؟ هل مرّ في أيامكم مدرّس يعترف بقدم معلوماته؟ هل انتسبتم إلى جمعيةٍ أو تنظيمٍ أو حزبٍ اعترف مرةً واحدةً أنه أخطأ في تقدير هذا الأمر أو ذاك؟ أو حتى لم يقل، ويواظب على القول: لقد أثبت التاريخ وجهة نظرنا؟ هل قابلتم موظفاً يعتذر عن تأخره الدائم عن عمله، أو إهماله الدائم لعملك؟ هل سمعتم عن رجل أمن، مهما كانت وظيفته ومرتبته، يعتذر عما ارتكبه بحق هذا أو ذاك، بل حتى يعترف به؟ هل صادفتم مديراً عاماً واحداً، أو وزيراً واحداً في تاريخنا يعتذر، قبل أن يغادر قسراً (لا أحد يغادر طوعاً) كرسيه، عن فشل خطته إذا كان لديه خطة أصلاً؟
بل حتى المهندسون في الإذاعة وعلى الشاشة المرئية الذين يقطعون برنامجاً أو مسلسلاً أو فيلماً ما ليبثوا برنامجاً آخر أو مسلسلاً آخر أو نشرة أخبار لا يكلفون أنفسهم عناء الاعتذار! كذلك مذيعاتنا ومذيعونا يخطئون في ترتيب الجمل وقراءة الكلمات ولا يجدون داعياً للرجوع عما قالوه، فكيف بالاعتذار؟
وحدهم الأصدقاء والعشاق يعتذرون. بل يكثرون من الاعتذار. ليس لأنهم يكثرون من الأخطاء، بل لأنهم يعيشون قدراً من الحرية يجبرهم على ذلك. الأصدقاء والعشاق وحدهم يعرفون أن ما يبقي الصديق، والمحبوب هو إعجابه وقلبه، ثقته وأمله. وحين يفقد أياً منها، لا شيء يمنعه من أن يصرّ صرته ويمضي. ولأن قلق (الحرية) هذا لا يكفّ عن السطوع، فهو يجبرهم على مراجعة كل شيء، على الاعتراف بكل خطأ، وعلى الاعتذار والتصحيح!
بالتأكيد لن نتعلم من العشاق! فالحب أعمى! والعشاق مجرد مراهقين لم يقرؤوا بعد نظريات فرويد! لم يكتشفوا بعد قيمة (أصالتنا وخصوصيتنا)! لم يعرفوا بعد ذلّ الحاجة ولا ذلّ التراتبية ولا ذلّ الأيام العشرين الأخيرة من الشهر!
تذكرت هذا الأمر حين وصلني (إميل) بالغ القصر يشير فيه إلى خطأ ارتكبته في زاويتي الماضية (أجيال). فقد قلت إن نزار قباني كتب (كن صديقي) التي غنتها ماجدة الرومي. بينما الشاعرة الكويتية سعاد الصباح هي من كتبها. ولحسن حظي كان هناك قارئ ما سرعان ما شهر سيفه ليقوّم. وأجبرني، مرة أخرى، على إعادة التفكير فيما يجب علي فعله: أأتجاهل خطئي محتفظاً لنفسي بظلام سلطة المركز الوهمية؟ أم أعترف وأعتذر مانحاً روحي دفء شمس العشاق؟

*- جريدة "النور"- العدد (162)-  4/8/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS