كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
مسار طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

هيا بنا. لم يعد هناك متسع لنتكئ على ما كان. قد يكون العمر طويلاً بما يكفي لنعرفَ الحياة جيداً. لنعيشها جيداً. لنُحييها جيداً. لكنه، مع ذلك، أقصر من أن نتركه ينساب بعيداً عنا ونحن متكئون على ما فعلناه البارحة. فالبارحة راح.


ليس فقط لأن الزمن يمشي باتجاه واحد، على الأقل حتى الآن. بل أيضاً لأننا نحن نمشي باتجاه واحد. اتجاه أمضينا آلافاً مؤلفة من السنين نحاول إيجاد مخرج منه. ونحاول الالتفاف عليه أو تمويهه. دون جدوى.
حاولنا أولاً أن نقسره على المضي عبر الأرض السابعة التي يمكن الخروج منها. وما حصدنا سوى أساطير جميلة ومعبرة، لا غير. ثم ركبنا السماوات لنعليه إلى السماء السابعة. وحصدنا استراحة روح قد تكون مفيدة ذات يأس. وحين عرفنا كيف يكون الضوء التمسناه براقاً جديداً لنا ليكسر حتمية هذا المسار الذي لم ينكسر!
وما زلنا نسير باتجاه واحد لا محيد عنه: من الرحم الصغير إلى الرحم الكبير. من رحم الأم إلى رحم الأرض! تاركين خلفنا كل شيء بلا أي استثناء. كل شيء حتى السمعة الطيبة والسمعة الرديئة. حتى الأمجاد والخيبات. حتى الحب والكراهية!
لا أعرف إن كان الأمر يدعو للأسف حقاً! لكنني أتساءل: إن كان الأمر على هذا النحو، فلماذا نترك لحظة واحدة من هذا العمر تمضي هكذا؟ تمضي دون أن نعيشها بكل ما فينا من قوة؟ من مشاعر وأحاسيس؟ من عقل وتفكير؟ من طاقة ورغبة؟ لماذا نتركها تمضي فارغة حاملة معها قسطاً وافراً من عمرنا القصير؟ ألا يبدو هذا هدراً للعمر غير مبرر؟
أعرف أن هناك من خلص، من المقدمة ذاتها إلى سؤال مناقض: إذا كانت الحياة هكذا فلماذا نعيشها؟ سؤال محق إذا وضعنا أنفسنا في مركز الكون كأننا هدف الكون والحياة وغايتهما. لكن عمرنا، ككائنات حية، البالغ القصر في عمر هذا الكون؛ ومعرفتنا أننا نحن من تأقلم مع ظروف لم تكن مؤاتية كثيراً لوجودنا، يجعل من اعتبارنا لأنفسنا على هذا النحو اعتباراً مثيراً للضحك!
فإذا كنا جزءاً من هذه الحياة، لا مركزها ولا هدفها، فلماذا لا نحمل حياتنا على محمل الجد؟ ليس ذلك الجد الذي يجعل الحواجب مقطبةً ونبرة الصوت باردة وقاسية. ليس ذلك الجد الذي يجعل الضحكة تختفي لأجل الصرامة. بل ذلك الجد الذي تعرفه كل كائنات الأرض، إلانا؟ الجد الذي يعني أن تعيشي حقاً كل ما هو فيك وحولك، أن تختبري حقاً كل تلك الإمكانية التي لا تحد في الإنسان الذي هو معك. في الأشياء التي هي حولك. في العالم الذي أنت فيه؟ لماذا لا نأخذها واحة مفتوحة لوجودنا الذي لم يتحقق بعد، بدل أن نأخذها محطة عابرة، أو قافلة جاهزة للنهب؟
لن تفيدنا المواعظ بالتأكيد. أياً كان مضمونها وأياً كان قائلها. إذ ربما تكون المواعظ هي أكثر ما أتقنّا صياغته على مدى تاريخنا الطويل. نحتاج بالتأكيد شيئاً آخر غير المواعظ. غير الأحكام الجاهزة القديمة منها والجديدة. فهذه كلها لم تستطع لحظة واحدة أن تمنحنا أكثر من خلاصة لتجربة مضت. قد تكون ثمينة، لكنها مضت! قد تكون صحيحة، لكنها مضت! وحتى يكون لها معنى جديد عليها أن تولد في العالم الجديد. أن تولد من جديد. مَثَلُها مثل الزمن. مثل حياتنا. أن تمشي في الاتجاه ذاته.
قد يكون الأمر مؤلماً بهذه الدرجة أو تلك. أشد إيلاماً في هذه الحال أو تلك. أقسى وطأة في هذا الأمر أو ذاك. لكن ذلك كله لا يغير من بساطة هذه النتيجة الباردة برودة العدم: البارحة قد راح. ولا ينفع بشيء التباكي عليه، ولا استدعاؤه، ولا التعلق بأذنابه. ربما يكون متضمناً على نحو أو آخر فيما هو قائم. ربما يكون قد تماهى في أمر آخر وصار جوهراً فيه. وربما كان قد نفي من جديدٍ أزاحه إلى غير رجعة. لكنه مع ذلك قد راح. ونحن، مؤقتاً، وحدنا الباقون.

*- جريدة "النور"- العدد (163)-  11/8/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS