|
متطلبات الإعلام "العالمي": النظر من ثقب الملاءة.. رد على الزميلة لينا سنجاب |
|
|
|
الكاتب بسام القاضي
|
|
Sunday, 24 January 2010 |
ربما لن ينسى أحد ممن قرأ الرواية العظيمة لسلمان رشدي (أطفال منتصف الليل) أن ينسى تلك اللحظات التي ينفجر فيها عشق الطبيب لمريضته، وهو يتفحص جسدها باحثا عن سبب المرض، لكنه يتفحصه بطريقة خاصة، إذ يغطى الجسد بملاءة فيها ثقب واحد صغير، ويحرك الطبيب الثقب هنا وهناك باحثا عن المرض!
الأسلوب نفسه اتبعته الزميلة لينا سنجاب في مقالتها على بي بي سي عربي، (سورية والطريق الطويل لتحقيق المساواة بين الجنسين)، سوى أن ثقب الملاءة هذه المرة فضل أن يجول في مساحة واحدة، ليخرج بالصورة كما لو كان الجسد كله هكذا.فمقال الزميلة سنجاب حافل بالأخطاء التي تعكس جديا مدى تأثر الإعلامي ببيئته الخاصة ووسطه الخاص، بدلا من البحث عن الواقع خارج وسطه وبيئته.منذ بداية المقال تتحدث الزميلة سنجاب عن "تكاثر المقاهي والمطاعم التي تتبع الطراز الغربي" ، قاصدة وجود النساء والرجال في مقهى واحد، كما لو كان أمرا جديدا على دمشق! بينما الواقع يقول أن الفصل الذي يحرص عليه أصوليون غريبون هو الجديد. صحيح أن النساء لم تكن تخرج إلى المقاهي قبل ثلاثة عقود من الزمن، إلا نادرا. وهي تخرج بكثرة اليوم. أما أن "الحانات مكتظة بالرواد المتحررين فكريا من سكان المدينة، والذين يجتمعون معا على زجاجة نبيذ أو عرق" فهذا غريب فعلا؟ هل نسيت الزميلة سنجاب، وهي التي أمضت جل حياتها في دمشق ومحيطها، أن طريق الربوة مثلا كان مكتضا بالمحلات التي تقدم المشروبات الروحية، ولم يتبق منها اليوم إلا واحدا فقط، أو اثنين، يقدمان مثل هذه المشروبات؟! وهل نسيت أن تلك الحانات لا تضم فقط "المتحررين فكريا" بل تضم أيضا من يبتغي تلك المشروبات بما في ذلك رجال ينكرون في النهار ما يفعلونه في الليل؟ وهي نسيت أيضا أن "المتحررين فكريا" هم أناس يمارسون ما يعتقدون به دون حاجة إلى مقاهي وجلسات خاصة على "زجاجة نبيذ أو عرق"؟!لكن ذلك لا يكفي، فهؤلاء "المتحررون فكريا" يبدؤون سهراتهم بالنقاش، وينهونها "بالتمايل وسط حلبات الرقص"! هذا مثير فعلا. نستطيع أن ندعو الزميلة سنجاب إلى عشرات السهرات التي تقام يوميا في سورية، والتي تبدأ بالنقاش، وتنتهي بالنقاش، أو تنتهي بالنوم كدرا من الواقع القاسي، أو تنتهي بالاتفاق على موعد آخر لاستمرار النقاش، أو تنتهي بتصور لبدء عمل ما.. كما يمكننا أن ندعوها إلى مئات السهرات يوميا التي تمضي في عمل جاد ومنهك من أجل مجتمع أفضل.. لكنها فضلت أن ترى أولئك مدعو الثقافة الذين يفعلون ذلك فعلا، وتنسى ما تعرفه جيدا عن الواقع السوري.الواقع أن هذه المقدمة كلها لكي تخدم غرضا واضحا يأتي فورا: "لكن، رغم أن مثل هذه المشاهد قد أمست مألوفة ودارجة في ربوع العاصمة دمشق، فهي لا تشكل القاعدة التي تسري على معظم أنحاء البلاد". هذا جيد. لكن.. ليس لأن القاعدة أن الناس في سورية يعيشون بكد وجهد، وليس لأنهم يعملون من أجل حياتهم ومجتمعهم... بل لأنه "ما تزال النساء في معظم أرجاء سورية تعيش حياة تمليها عليهن أمور كالتقاليد والدين والأسرة وغيرها". هذا صحيح طبعا. إلا أن السياق يجعلها مقارنة خاطئة. فحتى أولئك النسوة اللواتي يعشن بعض لحظات في المقاهي العادية والصحية المنتشرة في دمشق، بعد يوم عمل منهك، أو يوم دراسي طويل، يخضعن للكثير من تلك التقاليد. وحتى تلك النسوة اللواتي في الارياف البعيدة، يجدن طريقهن الخاص من أجل "جلسات تشبه جلسات المقاهي".لسبب ما لا يريد الكثير من المثقفين أن يروا شيئا خارج تصوراتهم الخاصة. وأولها إلقاء الصفات المختلفة على المجتمع السوري دون توقف ولا تأني. منها أن ترسل الزميلة سنجاب توصيفها للمجتمع بـ"هذا المجتمع المتزمت"!في سورية تشكيل واسع من المجتمعات في الحقيقة، خاصة فيما يخص هذا التوصيف. بعضه متزمت فعلا. لكن ذلك لا يمثل إلا أقلية إذا أردنا التوصيف بدقة. فمن المالكية في أقصى الشمال الشرقي، وحتى القنيطرة في أقصى الجنوب الغربي، ومن السويداء في أقصى الجنوب، إلى حلب في أقصى الشمال، تعمل النساء في وظائف حكومية إذ تشكل نحو 35 % من قوة العمل! وتعمل في القطاع الخاص بنسبة غير معروفة إلا أن البعض يقدرها بنسبة مقاربة للأولى. وتعمل في العمل الزراعي بنسبة أكبر بكثير. وفي جميع هذه الأعمال يشكل الاختلاط في العمل القاعدة السائدة.الأمر نفسه فيما يتعلق بالتعليم الجامعي. وفي الأسواق. وفي الخدمات الطبية.. إلخ..وتشكل النساء المنقبات نسبة لا تكاد تذكر من المجتمع السوري. وهي ظاهرة تثير الاشمئزاز والرفض في جميع الأوساط تقريبا لمنافاتها التامة لطبيعة المجتمع السوري، ولأدنى قواعد الاحترام الإنساني.الزميلة سنجاب تعتمد على قصة محددة: عرس لصبية لم تلتق سابقا بزوجها قبل يوم خطوبتهما. والأهل هم من تولوا ترتيب الزفاف. الزفاف الذي يجري في مكانين منفصلين: واحد للرجال، وآخر للنساء. وتكاد القصة كلها تبنى على هذا التفصيل.هذا صحيح. العديد من المناطق السورية تفضل الأعراس المنفصلة. ورغم أن هذا الانفصال تقليدي في المجتمعات الشرقية، ورغم أننا لا ندافع عنه لكننا لا نراه مشكلة حقيقية، إلا أن هذه الأعراس ليست إلا جزءا واحدا من المجتمع السوري. ففي القامشلي يمكن القول أن النسبة تكاد تكون متساوية بين الأعراس المنفصلة والأعراس المختلطة. في حلب قد تزيد قليلا الأعراس المنفصلة. في حماه المدينة تزيد كثيرا. في بعض أرياف حماه تنقلب المعادلة لتصير الأعراس المختلطة هي السائدة. في الساحل كله تزيد الأعراس المختلطة كثيرا جدا عن المنفصلة. في حمص المدينة والريف أيضا هناك الأسلوبين، في السويداء الأعراس مختلطة... هذا واقع يعرفه كل من يعرف قليلا عن المجتمع السوري. وأن يسلط الضوء على حالة محددة في المجتمع السوري شيء، وأن تعمم هذه الحالة المحددة لتكون هي كل "المجتمع السوري"، مثلما فعلت الزميلة لينا، شيء آخر.أما عن "شهادة المرأة" فالزميلة سنجاب تكرر الخطأ الشائع الذي يحبه البعض ممن يدعون/ين اهتمامهن بالقضايا المجتعية. فالشهادة المنقوصة هي حصريا في الشهادات "الشرعية"، أي تلك المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية. وهذا انتقاص فادح وخاطئ، ويشكل عنفا وتمييزا ضد المرأة. لكنه باب واحد من بابين. الباب الآخر أن شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل في كل ما هو خارج قانون الأحوال الشخصية: أي في كل القوانين المدنية وما تتضمنه من عقود ومنازعات مختلفة. بل حتى في جرائم القتل والسرقة شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل. للأسف أن الزميلة سنجاب قد انجرت إلى الأسلوب الذي تفضله بعض وسائل الإعلام، "الغربية" منها و"الشرقية"، والتي تنحو إلى تصوير ما ترغب بتصويره، وادعاء أن ذلك هو الواقع. وخاصة إلى استعادات مبطنة لـ"حريم القصور"! وهي استعادات ما تزال تسيطر بقوة على عقول الكثيرين، بما في ذلك وسائل إعلامية عريقة مثل "بي بي سي". الأمر نفسه، بوجه معاكس، يحدث هنا عن التصورات المحلية لواقع المرأة في الغرب. مقابل "الحريم" نحن لا نرى في المجتمعات الغربية سوى "السكس"! وجهان لعملة واحدة.
بسام القاضي، 18/1/2010، نساء سورية، متطلبات الإعلام "العالمي": النظر من ثقب الملاءة.. رد على الزميلة لينا سنجاب
|