كلما دقّ الكوز بالجرة، وهو لم يتوقف عن الدق منذ دقّ رأسي في الأرض لحظة سقطتُ من يد الداية على بلاط الحمام، سارع محررو الأخبار والبيانات والبلاغات وكتبة التعليقات السياسية إلى القول: (إنها أعمال يندى لها جبين الإنسانية)!
لست أدري عن أي إنسانية يتحدثون! فرغم (القرية الصغيرة الواحدة) لم أستطع أن أفهم كيف يمكن الجمع بين (إنسانية) الغارقين في عيش شبه بدائي في رواندا، وإنسانية الغارقين في ملاعب الغولف في أمريكا! بين إنسانية الرجل المرقط الذي يقتل في بلد يحتله، وإنسانية الرجل الملاحق في بلده المحتل! بين إنسانية المتضوِّر جوعاً في أزقة (حجّيرة) وإنسانية المتمايل تخمة في المالكي!بين إنسانية السجين لأنه قال كلمة يعتقد أنها حق وإنسانية السجان الذي يملك سلطة أن لا يكون هناك حق لأحد غيره!
لكن أكثر ما أُغلق فهمي عنه هو اشتراك هذه الإنسانية (الكوكتيلية) بجبين واحد! إذ كلما فكرت في الأمر تهيأ لي عملاق مسخ بجبين ضخم مشوه وأعداد لا تحصى مما تبقى من الجسد: مليارات العيون ومليارات الأفواه والصدور والأيدي والأرجل..! وبحكم واقع الحال الذي نراه، بل نعيشه يومياً يمضي هذا المسخ الهائل وقته كله في المزيد والمزيد من الصراع فيما بين أعضائه: هذه الكف تلطم ذلك الوجه. وتلك القدم ترفس هذا الصدر في معركة سيركية دموية لا تتوقف!
يبدو أنني أعاني فقراً شديداً في التخيل! فالتخيل الإيجابي (هل يسمونه الإبداعي؟) يحتاج إلى قدر من الحرية غير محدود ليتمكن العقل المحبوس داخل جمجمة من إعادة رسم الحدود والعلاقات كما يشاء. ونظراً إلى أن قانون الطوارئ يمكنه أن يحول استيائي من سلوك شرطي المرور، بله رجل أمن أو موظف كبير أو وزير أو..، إلى مناهضة لأهداف الثورة وزعزعة للأمن الداخلي حسب المرسوم رقم 6 الذي وضع ذات يوم لمواجهة تحالف الإقطاع والبرجوازية فيما إذا فكرا (يا للملاعين!) في الوقوف في وجه الثورة وإنجازاتها. ونظراً إلى أن قانون المطبوعات يمكنه، بزلة نقرة (كيبورد)، أن يسجنني لسنوات ثلاث ويغرّمني بنحو مليون ليرة سورية. ونظراً إلى أن طبيعة حالة الحرب المستمرة مع العدو، وطبيعة الهجمة الإمبريالية الشرسة، وطبيعة الخصوصية التاريخية والثقافية لبلدنا، ونظراً لاضطراري للعمل اثنتي عشرة ساعة يومياً لأحصل على الحد الأدنى من كفايتي من بلد فقير بطبيعته (طبيعته المتعلقة بي طبعاً. لا تلك المتعلقة برجال أعمال محميين يأكلون الأخضر واليابس ولحمي). وطبيعة ما لا أعرف له طبيعة، تجعل من كل شيء مبرراً علناً مهما كان. نظراً إلى كل ذلك، يبدو أنه من الطبيعي أن لا يتمكن عقلي الصغير من التخيل الإيجابي حتى وهو يشترك (هل يشترك حقاً؟) في (الجبين) العام للإنسانية!
مع ذلك رغبت أن أتساءل بلا أدنى قدر من البراءة:
كيف لجبيني أن يندى لقتل امرأةٍ شكَّ زوجها بنظراتها إلى رجل آخر، بينما أنا أقتل كل يوم حريم مملكتي بالطريقة ذاتها وللسبب ذاته؟ كيف له أن يندى لفساد عمّ مثيله في حياتي، وقبلتُه عملياً، حتى صار معناها ومبناها؟ كيف له أن يفعل ذلك خجلاً مما يجري في أبو غريب وغوانتانامو وعسقلان وأنا أمارس الجوهر ذاته مهما اختلفت الأشكال والدرجات؟
ألم يكن الأجدى لهذا الجبين أن ينظر فيما يجري فيحاول البحث عن حلول للخروج من هذا الحال المزري عوضاً عن أن (يندى) وهو يتفرج؟ أليس الأفضل له، بل لي ولنا، أن ندفعه ليتصبب عرقاً في بنائه علاقات جديدة مناسبة بين مكوّناته بدلاً من أن يندى وهو قابع في اهترائه المستمر؟
مع ذلك، يا لهذه الإنسانية! ويا لهذا الجبين! لو صح أنه يندى كل هذا الندى لكان عالمنا اليوم عالماً جميلاً ومزهراً كما في قصص الأطفال! أو لحُلت مشكلة نقص المياه في كرتنا الأرضية الصغيرة البائسة إلى يوم الدين!