كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

الصمت شيطان طليق
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow استعادة ممجوجة
استعادة ممجوجة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

لأبدأ من الخاتمة: الملك هو المَلك. لا يهم أبداً مَن هذا الطويل الفارغ، أو القصير المدكوك. مَن هذا السمين الناصح، أو النحيل الممصوص. مَن هذا الراهب الطهراني، أو الشيخ النوراني. مَن هذا النقي كماء، أو الصافي كنور. لا يهم أبداً مَن هذا الجالس على كرسيه: كرسي الملك. فهو سيصير ملكاً. ليس لميل الإنسان إلى الشر والسلطة (فقد لا يكون كذلك). وليس لأن البطانة فاسدة وستفسده (فالبطانة من اختياره).

بل لسبب بسيط بساطة شروق الشمس من الشرق: لا يوجد كرسي ملك، ولا وزير ولا موظف معلق في فراغ! الكرسي هو خلاصة كل تلك العلاقات والانتظام بين مختلف أوجه الدولة (المملكة أو السلطنة أو الإمارة أو العشيرة أو.. الأسرة). ولأنه كذلك، لن يكون أمام (ولا وراء) من يجلس على هذا الكرسي إلا أن ينصاع لهذه العلاقات ويندمج فيها، ما دام الأمر يتعلق فقط بمن يجلس على الكرسي. وليس بالكرسي ذاته.
يعني أي إصلاح أو تغيير، أو محاربة للفساد أو الهدر أو استغلال النفوذ، يحتاج أولاً إلى تغيير قواعد اللعبة. إلى تغيير آليات العمل والحقوق والواجبات.
يعني أيضاً أنه لا يمكنني أن أحارب فاسداً ما لم يكن من حقي غير المنقوص، والمحمي جيداً، أن أسأله وأحاسبه وأرفع دعوى قضائية عليه وأحصل حقي منه، بل وأعزله دون أن أتعرض لأي مماطلة أو مضايقة أو استدعاء أو.. اعتقال.
بدأت هكذا، لكي لا يقول أحد إن في رأسي مقدار ذرة من الوهم فيما يمكن للأخلاق أن تفعله ما لم تكن مسلحة بالسلطة. أي ما لم تكن مقنونة.
ولكن، هل لدى أحد منا مثل واحد عن رجل أو امرأة تخلى عن امتيازاته ومكتسباته المحمية جيداً طوعاً؟ هل لدى أحد منا مثل واحد عمن يتخلى عن السلطة والرفاهية لأجل أن نكون جميعاً أحراراً ومتساوين أمام جهة محايدة عادلة ونزيهة هي القضاء؟
من الآن، إلى أن يسعفني أحد ما بمثل مقنع ما، لا أجد فكاكاً من التفكير في أن علي أن أجد طريقة ما للوصول إلى حقي. ولكنني لا أريد أية طريقة بغض النظر عن قيمتها وأخلاقيتها. يعني لا أريد أن أعود إلى: الغاية تبرر الوسيلة. ليس لنزوعي الأخلاقي. بل لسبب أقل سمواً بكثير: عرفت جيداً خلال العقود الماضية أن هذه القاعدة مفيدة فقط، أكرر فقط، للأقوياء. لم يضعها واضعوها لأجلي أنا. ولا لأجلك أنت. بل لأجل أولئك الذين استفادوا أكثر كلما انتشر الوهم بهذه القاعدة.
احسبوها معي: وزير وحاجب يأخذان بهذه القاعدة. الحاجب ينتزع خمساً وعشرين ليرة من كل من يريد ورقة تافهة من هذه الدائرة أو تلك. كم يجمع في الشهر؟ ألف ليرة؟ خمسة آلاف ليرة؟ عشرة..؟ أما الوزير فيمكنه تمرير مشروع واحد فيه بعض المخالفات الصغيرة فقط. كم ستكون (عمولته)؟ مئة ألف؟ مئتان؟ عشرة..؟ فإذا أضفنا هذه المعادلة البسيطة إلى بديهية تقول أن النقود لا تلد ولا تتكاثر من تلقاء نفسها. ولا بد لها أن تقل من جيب ما لتكثر في جيب آخر. بدا لنا بوضوح من هو الفائز من معادلة كهذه!
أليست معادلة سخيفة يعرفها القاصي والداني؟ المثقف والجاهل؟ الرجل والمرأة والشيخ والطفل؟
بلى. إذاً، الخمس والعشرون ليرة التي أحصلها، يذهب جلها إلى السيد الوزير بهذا الشكل أو ذاك. وما دمتُ أحتاج حاجباً في مكان آخر، ووزيراً في مكان ثالث، فسيذهب ما تبقى من الخمس والعشرين ليرة، ثم سيذهب مثلها مما حصلته بتعبي: من حقي الأساسي.
كل هذا لأن رجلاً ما أعزه وأحترمه، وفي موقع يفترض به نظرياً أن يكون الأشد نزاهة وصرامة مهما كانت ضريبة ذلك، لم يجد مانعاً من القول: ألا تريد حلاً لمشكلتك؟ ما الذي تريده: العنب أم قتل الناطور؟
يا سيدي أريد حلاً صحيحاً لمشكلتي. لست عاجزاً عن إيجاد حل لها إن أردت الحل بغض النظر عن الوسيلة. نعم أريد العنب. لكنني أريد أيضاً قتل ناطور يسرق العنب ويسرقني. 

*- جريدة "النور"- العدد (165)-  25/8/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS