فاض جرن الحمام برجل مفلطح، فخرج عارياً وهو يصرخ: وجدتها.. وجدتها! هكذا نقلت لنا كتب التاريخ الحادثة التي حملت نكهة شعبية تستخدم للسخرية حيناً، وللحثّ أحياناً. لكن أحداً لم يذكر أن الناس احتجوا على عريه المفاجئ والبشع (على الأغلب كان عجوزاً حينئذ). ولم يسارع أحدهم للدفاع عن القيم والعادات والأصالة. والأهم أن أحداً لم يذكر كم أمضى ذاك الرجل من ليالٍ ونهارات وهو يقرأ ويبحث ويفكر في الأمر. حتى اختمرت المعطيات جيداً في الرأس الأصلع (يجب أن يكون أصلع!). ثم انبثقت فجأة في جرن الحمام!
الأمر ذاته يحصل في كل أمورنا! هنا لا ننظر إلا إلى النتيجة؟ بل نرى في النتيجة انمحاءً كلياً لكل ما سبقه فنجعل من نتائج مختلفة نتيجة واحدة! لننظر إلى هذا المثل البسيط: تعددت الأسباب والموت واحد! هنا يُختصر كل شيء، يُسطّح، يفرغ من محتواه. ولا نبقي سوى شكلَ نتيجةٍ على أنه النتيجة ذاتها.
هل الموت واحدٌ حقاً؟ هل موت عمر المختار، أو شهداء السادس من أيار على منصة الشنق هو كموت مجرم سفاح على منصة شنق؟ هل موت تشي غيفارا في غابات النضال كموت محتل أمريكي في أرض الأهوار؟ هل موت مدافعة عن بيتها في وجه مغتصب هو كموت عاهرة!
بل أبعد من الغايات: هل موت طفل مريض بالسرطان كموته تحت عجلات سيارة فارهة يقودها مراهق ولد لمسؤول؟ وهل موت امرأة عاشت من العمر عتياً كموتها بنصل رجل بشع جبان متخفٍ في ثوب المدافع عن الشرف؟
كذلك الأمر في شتى جهات الحياة. ليس الحب واحداً. فأن يكون امتلاكياً يجعل من المحبوب عبداً لا شخصية له ولا تمايز غير ما نقرره له نحن من تمايز لا يخرج عن حدود قيودنا الفولاذية، يختلف كثيراً عن أن يكون حراً منفتحاً يبحث في الآخر عما هو فيه ويحفزه على أن يكون أفضل وأجمل. وليست الكرامة واحدة. فتلك التي تنتج عن ممارستي الكاملة لحقي في المواطنة والعيش الكريم هي غير تلك التي تنتج عن إهانتي وكسري من أخطأ بحقي، وربما عن غير قصد. وليست الحرية واحدة. فتلك التي تُسجن في شعارات ومفاهيم مطاطة قابلة لألف فهم ليس فيها ما يخرج عن قرارات صارمة مخفية، لا تمت بصلة للحرية التي تصوغها علاقات متكافئة واضحة وبسيطة تنظم العلاقة بيني وبين كل أولئك الذين يشاركونني العيش في مكان واحد وزمان واحد. والديمقراطية ليست واحدة أيضاً. فتلك التي تسمح لي أن أكتب وأصرخ وأتظاهر لأن الآخرين قرروا لي أن أكتب في هذا الأمر وأصرخ بذاك الشعار وأتظاهر لهذا الهدف،هي غير الديمقراطية التي تسمح لي أن أفكر وأعتقد وأمارس ما أشاء دون أن يحكمني غير صندوق انتخابات نزيه وقانون ديمقراطي.
بل حتى العيش يختلف. وليس العيش بالأكل والشرب والخضوع المذل كمثل العيش بالأكل والشرب وتحقيق الذات.
إذاً ليس الموت واحدٌ بغض النظر عن الأسباب والوسائل. بل هو مرهونٌ بها. كل موتٍ، وكل شيء يختلف باختلاف أسبابه وغاياته ووسائله. باختلاف وقته وظروفه. باختلاف القيم الحضارية التي يحدث فيها. وربما باختلاف الناظر إليه أيضاً.