يا للقرف! ما الذي يمكن أن يكون أكثر قرفاً من رائحة ثيابي وأنا أتناولها صباحاً لأرتديها فإذا بها كمنفضة سجائر قد تخمرت الأعقاب فيها؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر اتساخاً من رائحة أصابعي التي حول النيكوتين لونها إلى لون الموت البشع؟ هل حاولت أن أتخيل كيف يكون طعم شفاهي المشبعة بالقطران (القطران يستخدم، فيما يستخدم، لطلاء أعمدة الكهرباء الخشبية!) حين تلامس شفاه حبيبتي؟ هل جربتم أن تتخيلوا أي قتل بطيء وشرير نقتل فيه أطفالنا ونحن ندخن أمامهم ونجبرهم على التدخين معنا! كما نجبرهم على التدخين مثلنا حين يكبرون؟
ربما لم أنجح في تخيل ذلك. لكنني لم أجد بعد طريقة كي لا أرى طاولتي يومياً وهي ملوثة بالرماد المتناثر فوقها. حالي في ذلك حالكم جميعاً أيها المدخنون!
ربما لم أنجح في تخيل ذلك. لأنني هربت منه طويلاً وأنا أتلطى خلف سخافة من مثل أنني لا أريد ترك السيجارة. ولو أردت لتركتها! خلف غباء مثل أنني والسيجارة أصدقاء نخفف عن بعضنا البعض! خلف حماقة أنها تعني لي ارتباطاً عاطفياً مع ذكريات أو تصور!
ولكنني أعرف. أعرف، كأي مدخن غير مستفزّ، أن الأمر ليس بالسهولة التي يسدي الآخرون بها النصح. أعرف أنني حاولت علناً وسراً مئات المرات أن أتوقف دون أن أنجح. كان الاعتراف بهذا يخجلني! أعرف الآن أنه يجب الاعتراف به كما اعترفت به المجتمعات الأكثر تحضراً ونجحت، عبر اعترافها وأمور أخرى، بأن تجعل من نمو عدد المدخنين في بلدانها نمواً سلبياً أو يقارب السلبي. بينما تنمو بنسبة أعلى من نسبة التوالد في مجتمعاتنا! أعرف أن الأمر يتعلق بالإرادة. ولكنها ليست تلك الإرادة التي تمكنني من فلّ الحديد لأجل قضية ما. بل نوع آخر خاص ومزعج!
هل هذا فشل؟ بالتأكيد هو كذلك. فشل معيب ومُزرٍ. لكنه فشل. وإذا كانت الحكمة القديمة: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"، حكمة صالحة للكثير من مسالك الحياة ومنعطفاتها، إلا أنها هنا، ليست صالحة. هنا يجب أن نرمي هذه الخطيئة بحجر، بأكبر حجر، بكل ما في الدنيا من أحجار! خاطئين كنا أم طاهرين!
كلنا نعرف أن أغلبنا، إن لم نكن جميعاً، تعلمنا التدخين في ظروف قاسية. شجار الآباء والأمهات هو ظرف قاس. الفقر هو ظرف قاس. الهامشية هي ظرف قاس. القمع الذي يدفع للتشبه بالكبار هو ظرف قاس. بل حتى الدلال الزائد هو هنا ظرف قاس.
فهل نساهم نحن أيضاً في خلق ظرف إضافي للآخرين لينحدروا إلى هذا العيب الذي انحدرنا إليه؟!
ألا يكفينا أن لدينا الآن، هنا في هذا البلد الصغير، 2.4 مليون مدخن لعام 1999؟! وزارة الصحة التي أجرت المسح قالت إن ذلك يشكل نحو 12% من إجمالي السكان. لكنها نسبة غير حقيقية، إذ يجب أن نحذف من إجمالي السكان كل من عمره أقل من 12 سنة (على الأقل). وهؤلاء يشكلون نسبة كبيرة في مجتمع شاب كمجتمعنا. كم سيبقى في ذلك العام؟ 10 مليون مواطن ومواطنة! أظن أقل من ذلك. لكن وفق هذا العدد ستكون النسبة هي: 25%؟!
هل هذا حقيقي فعلاً أيها السادة المدخنون؟ هل يجب الصمت عن هذه الخطيئة لأننا مبتلين بها؟! هل هناك ما يكفر عنها غير أن نرفع أيدينا وأصواتنا وكل ما يمكننا لإيقاف هذا الجنون!؟
إن هذا عار! إنه عار علينا يا جماعة! فلنحاول مرة أخرى. لم يفت الأوان بعد.