كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow عزاء غير تقليدي
عزاء غير تقليدي طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

كلما أردنا معرفة قضيةٍ ما، اكتشاف بنيتها وتفاصيلها، الإحاطة بها على نحو أفضل، سارعنا إلى الاقتراب منها أكثر فأكثر. سائرين (أو مُسيّرين) خلف تلك الإشادة القديمة: يرى الأمور عن كثب!


نفعل ذلك تجاه كل تفاصيل حياتنا. الدراسة والعمل والزواج. الاستقرار والرحيل. المواقف الإيديولوجية والأفكار العامة والخاصة. ما يجب أن نقوله في هذا المقام أو ذاك. وما يجب أن لا نقوله في هذا الموقف أو ذاك..
لكن، لسببٍ ما، نمتنع دائماً، بتواطؤ غريبٍ وغير مبرر، حين يتعلق الأمر بالتفصيل الأكثر جدارةً بالاقتراب والغوص أعمق فأعمق: أولئك الذين يحيطون بنا. الناس الذين نعيش معهم وبهم. الأشخاص الذين نحبهم مانحين إياهم معنى لوجودهم، ويحبوننا مانحين إيانا معنى لوجودنا!
هنا نفشل دائماً في الاقتراب! الأحرى أننا ننسى الاقتراب! مع أنهم الأجدر بهذا الفعل الصعب والخطر! الأكثر حاجةً له! الأقل إمكانيةً على تحمل تجاهلنا أو عدم فهمنا أو اقتصار رؤيتنا لهم على ما نريد أن نراهم عليه!
هنا، تمضي الأيام كثيرةً، وقد تكون كثيرةً جداً ونحن نستيقظ معاً، ونأكل معاً. نشرب معاً، وننام معاً. نختلف ونتفق. نتخاصم ونتراضى. نبني ونهدم. دون أن نفكر ملياً في الاقتراب من هذا الكائن الغريب الذي يشبهنا، ونريده، ونجهله! وحتى إذا خطرت لنا فكرة الاقتراب، سرعان ما يهمس صوتنا الجواني أننا نعرفه حق المعرفة! أليس هو الذي نستيقظ معه ونأكل معه؟ نشرب معه وننام معه؟ نختلف ونتفق معه؟ نتخاصم ونتراضى معه؟ نبني ونهدم معه؟ فكيف نكون بحاجة إلى الاقتراب منه؟ كيف لا نعرفه إذاً؟
وذات يوم، ذات يومٍ ككل الأيام التي نعرفها، يوم مشمس (وقد يكون ماطراً)، يوم هادئ (وقد يكون ضاجاً)، سننظر إلى السرير الذي اعتاد مَن اعتدناه النوم عليه، ولن نجده! قد نفتش في الغرف الأخرى، وفي المطبخ! قد يخطر ببالنا أنه في العمل. أو ذهب مشواراً ما وسيعود قريباً. قد نظن أنه يتمشى في الحديقة. لكنه ليس في أي مكان! حتى على كرسيه الذي اعتاد الجلوس عليه، سنجد شخصاً آخر يرخي رأسه على مسنده!
حينذاك فقط سيضيء البرق. سيعيد إلى الأشياء حدودها التي أضاعها ازدحام الحياة. بل ازدحامنا في الحياة! وسنرى فجأة أننا لم نكن نرى! سنعرف أننا لم نكن نعرف! سنكتشف أننا تركنا كل تلك اللآلئ حبيسة محارات كانت هنا، بين أيدينا! وسنطأطئ رأسنا لنبصر، للمرة الأولى، من أمضى الحياة أمامنا دون أن نراه! من تركنا لعيوننا أن تهمله (لترى) ما هو في البعيد! وسيطفر الدمع غزيراً من مآقينا. سيطفر مدراراً. سيطفر حزناً.
حينذاك، حين يكونون قد ذهبوا، نراهم كما لم نرهم من قبل! نتذكر كل تلك التفاصيل التي تجاهلناها طويلاً. نتذكر كل تلك الابتسامات الجميلة التي ظنناها تكشيرات. كل تلك الآلام التي كان يمكننا أن نمسحها بلمسة يدٍ حنونة. كل ذلك القلق الذي لم يكن يريد منا أكثر من لحظة إصغاء. كل ذلك الحب الذي لم يطلب سوى أن نتلقاه!
ولكنهم رحلوا! قد يبقون في ذاكرتنا طويلاً. وربما يمرون بها أحياناً. ولعلنا ننساهم بعد بضعة أيام. لكن، في كل الأحوال، نراهم، بعد أن يرحلوا، على غير ما رأيناهم طوال فترة وجودهم بين أيدينا. هنا، بعيداً عن مرآنا ومسمعنا نراهم على ما هم عليه. نراهم على ما كناه معهم!
فجأة يضيء البرق. وفجأة ينطفئ. وما بينهما برهة لا تكفي للاسترخاء. بل لا تكفي لكثير من الكلام. برهة لعَينٍ محدقةٍ وفمٍ مشدوه! ولقلبٍ يمكنه أن يعيد تشكيل التفاصيل. ربما ليس كما كانت بالضبط. لكنها جميلة بما يكفي لأن ترسم ابتسامةً تحت العيون الدامعة. 

*- جريدة "النور"- العدد (169)-  22/9/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS