كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow انتصار جديد للتبغ!
انتصار جديد للتبغ! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

في الثمانينيات من القرن الذي انصرم، بعد أن تمكن بجدارة من صرمنا، (فزنا) بتنظيم دورة لألعاب المتوسط. وكانت اللاذقية التي حققت المثل القائل: (بلِّط البحر) في مرحلة سابقة، تاركة وجه المدينة الساحلية ذكرى تبهت مع الأيام على بطاقاتٍ لم يعد أحد يهديها. كانت تلك المدينة القادرة على تحمل رطوبة في الجو تصل إلى 90%، صاحبة الحظ الأوفر من منشآت الدورة.


حدث ما حدث في تلك السنين (دون أن يتوقف عن الحدوث في هذه السنين). فقد وصلت الهستيريا التي نُشرت عن عمد، إلى درجة أن الناس في مدن مهملة كجبلة المشهورة بأنها تحوي أوسخ شوارع في سورية! فكروا في ترميم وتحسين منازلهم لكي يؤجروها للقادمين لحضور الدورة الذين لن تكفيهم القرية السياحية التي أنشئت لهذا الغرض، ولا فنادق ولا فيلات ولا منازل اللاذقية! منتظرين أن يحصدوا ثروة العمر من السياح الذين سيأتون لحضور الأيام القليلة التي ستجري الدورة خلالها!
ولحسن الحظ لم يحدث ذلك. إذ كان في إمكانك رؤية الهواء الساحلي العليل يلعب في الخيم التي نصبت في القرية المذكورة. ويمكنك رؤية سفينة أحد الوفود الرياضية وهي تنزل وتحمل أعضاءها كل يوم! لحسن الحظ طبعاً. فقد حمانا هذا الأمر من الفساد الأخلاقي الذي كان يمكن أن ينشره القادمون الغرباء! والأهم أنه حمانا من الأفكار الهدامة التي كان يمكن للأعداء الداخليين والخارجيين أن ينشروها في وطيس الازدحام المفترض! هؤلاء المخربون الذين لم يعدموا وسيلة لنشر أكاذيبهم حول الثروات الخيالية التي تراكمت هنا وهناك في جيوب المعنيين بهذه المنشآت التي تمكنت بقدرة قادر وبعض المهندسين الشاذين والعمال المتمسكين ببضاعة كاسدة تسمى الضمير، تمكنت من الصمود بما تبقى لها من أسمنت وحديد ومواد إكساء! وربما يذكر الكثيرون كم من الشائعات سُربت لتهدئة الأوضاع. وكان مفادها أن يوم الحساب قريب. بل بعد انتهاء الدورة مباشرة! غير أننا نعرف جميعاً أن القدر يمهل ولا يهمل. وصادف أنه أمهل حينئذ. وما زال يمهل!
المهم.. تقرر في تلك الأيام أن الطريق الثعباني الذي يصل بين طرطوس واللاذقية محاذياً شاطئ البحر هو طريق غير مناسب. ولا بد من شقّ أوتوستراد دولي يليق بالحدث الجلل المنتظر. ولا بأس، (بالمرّة)، أن يجري مدّ سكة الحديد الجديدة بالتوازي مع الطريق الجديد.
لا يعرف من لم يكن يعيش في تلك البلاد كل تلك النقاشات والمراهنات الصاخبة التي دارت بين الأهالي حول مسار هذا الطريق المزودج (أوتوستراد- سكة حديد)! قال المتفائلون ذوو الأفق الضيق إن المسار سيكون على الحد الفاصل بين الجبل والسهل. فهي منطقة جميلة أولاً. وهي لا تأكل إلا أقل القليل من أرض الساحل الخصبة والضيقة إلى درجة لا يراها إلا أصحابها. فليس من المعقول أن الدولة، أي خادمة المجتمع، ستأكل كل هذه النسبة الكبيرة من شريط زراعي بالغ الضيق من أجل طريق يمكن له أن يمر في مكان آخر، وقد يكون أجمل!
وقال الواقعيون ذوو الأفق الواسع إن الأمر لا يتعلق بأرض خصبة أو غير خصبة. بل بمن يملك هذه الأرض أو تلك. والجميع يعرف أن من يملك.. يقرّر! أما المتشائمون الأغبياء فقد أكدوا أن الطريق سيمر في المسار الذي يريد له من يعرفون مسار الجيوب أن يمر فيه!
ومر الطريق وسكة الحديد في أكثر الأراضي خصوبة كاسحاً في طريقه كل شيء، بما في ذلك الحمقى الذين اعتقدوا أن في إمكانهم استخدام حقهم، كمواطنين، في الاحتجاج! وذهب ما ذهب من مساحة ذلك الشريط الزراعي الخصب والضيق!
لأسباب (مجهولة) حدث الأمر ذاته في منشآت أخرى: محطة الكهرباء، مطحنة الحبوب، توسيع معمل غزل جبلة، المنطقة الصناعية بجبلة، المنطقة الصناعية باللاذقية، معامل القطاع الخاص..
واليوم، عبر نافذة أحد بولمانات شركات النقل السياحي التي لا تملك من مواصفاتها إلا ثمن التذكرة، أو عبر نافذة القطار الذي يمنحك الوقت الكافي لتفكر وتتأمل وتضجر وتطقّ قبل أن تصل إلى وجهتك، ربما أمكنك أن ترى من المنشآت على الطريق إلى اللاذقية، خاصة بين بانياس واللاذقية، أكثر مما ترى من البساتين!
هل تعرفون ما الذي أثار كل هذه الذكريات؟ مرسوم جديد يحمل الرقم /347/ لعام 2004. والتاريخ 23/9/2004. وينص على حل شركة الكونسروة السورية بدرعا وشركة الساحل السوري للكونسروة والصناعات الغذائية بجبلة. هل في هذا ما يثير؟ أبداً. فالحل والنقل والدمج سار على قدم وساق دون أن نعرف إلى أين. ما يثير هو أن المرسوم المذكور نص على أنه: (تؤول موجوداتهما إلى المؤسسة العامة للتبغ، باستثناء الآلات التي تؤول ملكيتها إلى شركة كونسروة دمشق)!
مبروك للمؤسسة العامة للتبغ التي ستتحفنا قريباً، وفق الإشاعات، ب(جيتان ومارلبورو) مصنوعين في سورية! قاضية، بالضربة القاضية، على التهريب الذي يقوم به عاطل عن العمل بثياب رثة وشعر أشعث وبطن غائر، على زاوية مبنى سانا بدمشق! وستتحف الأرض التي كان يمكنها أن تصير جنة خضراء بالمزيد من الأسمنت والمداخن! وستتحف سكان تلك المدينة الصغيرة المهملة، مجاناً، وعلى مدار الساعة، برائحة التبغ اللذيذ! 

*- جريدة "النور"- العدد (170)-  29/9/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS