يبدو أن كتب القومية التي درسناها طويلاً وكثيراً خلصت بنا إلى لا شيء. وربما تكون الكتب الأخرى المتعلقة بالتاريخ، خاصةً نشأة وتكوّن البشر والجماعات والشعوب والأمم، قد خلصت إلى النتيجة ذاتها!
لم يحتج الأمر إلى أكثر من جملة صغيرة بدا نزول الصاعقة أمامها مزحة سمجة!
ذات ليلٍ قريبٍ، وأنا مسترخٍ على كرسي متشقق الجلد أمام التلفاز الذي حظيتُ بنعمته أخيراً، بل قدّرت امرأةٌ لطيفةٌ حاجتي إليه فمنحتني إياه، أطل رجلٌ عجوزٌ أبيض الشعر على الشاشة الفضية ليسرد شهادته الخاصة في برنامج قناة الجزيرة: شاهد على العصر. وقال ما قال. الحقيقة أنه قال الكثير. وربما قال في تجنبه وتجاهله بعض الأسئلة أكثر مما قال في إجاباته.
قد نختلف أو نتفق حول ما قاله هنا أو هناك. في هذا الأمر أو ذاك. يعود هذا إلى أننا بقينا مختلفين، كما يجدر بالإنسان أن يكون، رغم كل الشعارات ومستلزماتها التي فشلت في أن تكوينا على طية واحدة.
لكن جملةً واحدةً نقلتها ذبذباتٌ هوائيةٌ بدت لي غير مفهومةٍ. بل شككت لوهلة أنني سمعتها حقاً أم خُيل إلي. قال الضيف الشاهد برباطة جأشٍ وثقةٍ واقتناعٍ لم ألمسه منذ أكثر من عقد من السنين: (شرف الأمة فوق كل اعتبار، ولو مات نصف الشعب)!
أن يكون شرف الأمة فوق كل اعتبارٍ هي مقولةٌ فيها وجهة نظر. وإن كنا، حكماً، نختلف أشد الاختلاف في ما هو شرف الأمة. كما اختلفنا، وما زلنا، في ما هي الأمة. لكن: ولو مات نصف الشعب!
إنها جرأةٌ ما بعدها جرأة! ولولا خوفي من قانون المطبوعات السيئ الصيت. والذي صرح مسؤول رفيع أنه سيعدَّل ليضم عالماً ينهار فوراً بلا ديمقراطية مطلقة هو عالم الإنترنت. وهذا يعني أن القانون المذكور سيصير أسوأ صيتاً. وسنكون إذا فعلنا ذلك، سباقين في العالم. بل سباقين في الحماقة إذا ظننا أن أحداً أو جهةً من كانت، أكرر أحداً أو جهةً من كانت تستطيع أن تفعل ذلك. ولن نحصد سوى المزيد من السمعة السيئة.
لنعد، لولا خوفي ذاك لشبهت هذه الجرأة بما عرفتموه لا شك!
ولو مات نصف الشعب يا سيدي الجليل! هذا النصف الذي سيموت هو أنا وأهلي بالتأكيد ولست أنت. بدليل أنك، وجميع أفراد أسرتك وأقاربك حتى الدرجة التي لا تطولها كل درجات القرابة، بقيتم سالمين غانمين رغم الحروب الكثيرة التي مرت على رؤوسكم. ورغم احتلال ثلاث عواصم عربية في أقل من ربع قرن! ومع ذلك راضٍ أنا. ولكنني أتساءل: إذا مات هذا النصف، فمن الذي سيبقى ليحارب ويحمي ويبني هذه الأمة المتبقية؟ بل من الذي سيبقى ليحارب ويحمي ويبني ما يجعلكم قادة وزعماء؟ أم تراك ستراهن على نسبتنا السباقة في التوالد والمواليد؟ ومن سيفعل ذلك: أهن نساؤكم الغارقات في الماكياج والأناقة الباريسية والهمبرغر؟ لا يبدون قادرات على ذلك. كما لا يبدو أن لديكم الوقت اللازم لهذا الفعل! فهل سينقذكم الاستنساخ؟ غير أننا جميعاً غير مدرجين على قائمة المطلوبين لهذه المهمة الجليلة!
إذاً، أخبرني مجدداً يا سيدي عن أية أمةٍ تتحدث؟ بل عن أي شرفِ أمةٍ يموت نصفها، تتحدث؟