أكثر ما أعجبني في الخبر الذي نقلته (سانا) عن الزميلة (تشرين)، هو ذلك التشديد الذي وضعته تحت جملة: (يشار إلى أن هذه الدراسة هي الأولى من نوعها في سورية)!
أي (نوع) هو المقصود بالجدة؟ التعاون بين المكتب المركزي للإحصاء وهيئة تخطيط الدولة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي؟ أم موضوع الدراسة (أي الفقر في سورية)؟ أم وجود دراسة إحصائية بحد ذاتها؟
ليس جديداً أنه يكاد لا يكون لدينا أي إحصائيات رسمية في سورية حول أي من مجالات الحياة! وطبعاً ليس هناك إحصائيات غير رسمية، لأن ذلك ممنوع بألف طريقة وطريقة! ولذلك لا يعرف أحد كم عدد الدكاكين التي تبيع البضائع بالمفرق! ولا كم امرأة مطلقة لأسباب تتعلق بالعنف الزوجي الممارس ضدها! ولا كم سيارة حكومية بلوحات خضراء، أو لوحات سوداء ممحوة الأرقام، أو بأرقام كتبت بخط يد سيئ! عدا الدراسات الأكثر تفصيلاً وتداخلاً.
والأمر لا يتعلق بكسل أو غياب للجهات الراغبة في القيام بمثل هذه الدراسات. بل يتعلق بما يترتب على محاولة القيام بذلك طوال عقود من الزمن.
فمنذ فترة ليست طويلة، مثلاً، كنت ومصور الجريدة الزميل وائل حميدان في جولة نلتقط صوراً عامة لمدينة دمشق وبعض أبنيتها وشوارعها وما إلى ذلك. وبينما نحن نصور ساحة (دمر) انبثق لنا فجأة شاب صغير السن، حليق ووسيم. وتساءل، بطريقته الخاصة، ما الذي نفعله؟ طالباً هويتي وما يؤكد عملي! ولم يلن صوته وتتغير نبرته إلا حين تأكد أنه لن يرى شيئاً من ذلك قبل أن أرى هويته وما يؤكد عمله! وهو ما يحظر عليه فعله! حين ذاك اكتفى بما قلته له من أننا من جريدة (النور)! ونعرف جميعاً أن التعاميم التي ألصقت ذات يوم في ممرات الوزارات وتشير إلى ضرورة التعاون مع الصحفيين فيما يحتاجون إليه في عملهم، لم ينفذ منها ما يغطي تكاليف طباعتها وإلصاقها! كما أن مساحة وافرة نسبياً من مدينة دمشق تغطيها لافتات سوداء كتب عليها: (ممنوع التصوير..) رغم أن أغلبها يمثل أبنية صارت بحكم التاريخية!
مع ذلك، وجد الخبر، وربما الدراسة، طريقاً ليقارن نسبة الفقر في بلادنا مع نسبة الفقر في مصر (26%) ونسبة الفقر في لبنان (30%). بينما لم يجد حتى زقاقاً صغيراً ليقارن مع دول أخرى لن تسرنا المقارنة معها.
وللاطلاع فقط، انظروا إلى هذه الأرقام:
تزيد مساحة سورية 258 مرة عن مساحة البحرين. ويقطنها نحو 20 مليون نسمة مقابل 700 ألف للبحرين. ويزيد الناتج الإجمالي السوري (20.3 مليار دولار) أكثر من ضعف الناتج البحريني (8.1 مليارات دولار). ومع ذلك، يبلغ معدل دخل الفرد في البحرين (11.767 دولاراً سنوياً) أي أكثر بنحو عشر مرات من دخل الفرد في سورية (1.82 دولاراً سنوياً)! دون الأخذ بالحسبان توزع الدخل! وأكثر من خمس مرات قياساً بالقوة الشرائية! وبينما حققت البحرين المركز 40 في مستوى العالم في مؤشر التنمية البشرية لعام 2004، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (الذي جرى التعاون معه في الدراسة المذكورة)، حققت سورية المركز 106!
وتشير كل الدراسات المنشورة سابقاً إلى أن نحو 20% من السكان في سورية يعيشون دون خط الفقر. بل تتخوف من زيادته مع نسبة تزايد سكاني تقارب 2.7%! فكيف حدث أن الرقم المنشور الآن هو 9%؟
مع ذلك سننتظر الدراسة المذكورة، إن نشرت، لنعرف تفاصيل الأمر. وإن كان الشرح المرافق من أن الدراسة اعتمدت معيار الإنفاق الغذائي والإنفاق على المعيشة بشكل عام مقياساً أساسياً لها يشير إلى السبب. إذ يبدو أنها تتحدث عن الجوع فحسب، لا عن الفقر!