كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
نعم.. لأسامة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

من، في البلدان العربية التي حلمت دائماً أن تصير بلداً واحداً عادلاً وحراً، لا يذكر (ليالي الحلمية)؟ تلك الحياة التي تراءت أمامنا على شاشة صغيرة تاركة لنا، عبر حقيقة أنها تتحقق بعيداً عنا داخل الصندوق الصغير، أن نشعر باطمئنان الآمن؟ ودافعة إيانا، للسبب ذاته، إلى التفكير وإعادة التفكير في ما الذي أوصلنا إلى هذا الحال؟ من منا نسي دموع فردوس عبد الحميد في (العصفور والنار)؟ والعيون القاسية لأمينة عباس في (الراية البيضاء)؟ (أرابيسك) و(الشهد والدموع)؟


هنا، في سورية، خلت الشوارع في الأوقات التي عرض فيها أي من هذه المسلسلات. وهذا بحد ذاته يكفي شهادة لأسامة أنور عكاشة. هذا الرجل الذي عرف دائماً ما يكتب، وكيف يكتب. ووجد دائماً ممثلين ومخرجين وتقنيين يعرفون جيداً كيف يبثون الحياة في ما يكتب.
لكن هل هذا هو السبب للقول إنني ضد كتل الظلام تلك، العقول الحجرية التي سعت دائماً إلى إعادتنا إلى مجاهل الماضي، الفكر الذي ملأ تلافيفه بالشر والانحطاط لأنه أغلقه عن نهر الحياة؟ كما كنت ضدهم حين أخرجوا نصر حامد أبو زيد من وطنه؟
لا. فسواء كان نجيب محفوظ الذي حاول أن يلقي ضوءه الخاص على ما فعلته العلوم بالعالم والحياة. أو نصر حامد أبو زيد الذي اجتهد في فتح المسارب المغلقة بيننا وبين تاريخنا الذي انقضى. أو حيدر حيدر الذي خط على الورق ملامح من هزيمتنا المرة. أو أسامة أنور عكاشة الذي لم يقل سوى ما قالته لنا كتب التاريخ في المدارس وغيرها. أو أي صحفي أو كاتب أو فلاح أو عامل تنظيفات أو أياً كانت مهنته ووظيفته، لا يتغير الموقف قيد أنملة. وسواء كان المنقود ابن تيمية أو عمرو بن العاص أو زكي الأرسوزي أو لينين أو أي من أولئك الذين قرر موتهم المؤكد والناجز أنهم بشر، مثلهم مثل أي بشري آخر على وجه المسكونة. أو أي من أولئك الذين سيقرر موتهم الأكيد الحقيقة ذاتها. ولم يتمكن واحد من أولئك الذين قضوا من إبراز أي صك إلهي يفوضه، باسمه، صلاحية تقرير مصير العباد مهما كانوا. القصة قصتنا جميعاً مع هذا النمط من التفكير الذي يعقد بحقه في إجبارنا على أن نكون ما يراه حقاً!
بالتأكيد إن فترات الانحطاط التي لم تنته بعد أن وضعت الجميع، في مرحلة ما على الأقل، في الخانة ذاتها: خانة تكفير الآخرين أو تخوينهم. لكن مسننات الأيام القاسية التي نعيشها أجبرت أكثر الناس والتيارات والأنظمة على الإقرار أن الحياة لا تحتمل خطاً واحداً قسرياً أياً كان. أكثر الناس، إلا هؤلاء الذين ما زال غبار الكهف يتراكم فوق عيونهم وأفئدتهم.
صحيح أن تهميشهم القاسي والمر، وبطالتهم، وقمع الأنظمة، وجنون العظمة الأمريكي والصهيوني، والعجز العربي والإسلامي، كل هذا لعب دوراً في هذا التكلس؛ لكن هذه تفسر ولا تبرر. والأهم، لا تبرر لنا الصمت والحياد نحو ذلك.
هنا، في المعركة بين الماضي والمستقبل، بين الماضي المتكلس في انتقائية مريعة وأحادية مدمرة ووصاية ديكتاتورية وبين المستقبل الذي يحمل ولو بقعة ضوء صغيرة، لا حياد. لا يمكنني أن أتفرج. ولا يسعني الآن أن أتجاهل أن الصمت تأييد مطلق للحرب على المستقبل. مستقبلي ومستقبل أطفالي. ولم تعد هذه جملة إنشائية قيد الاحتمال. بل برهن (طالبان) بما لا يقبل الشك أي مستقبل ينتظر أطفالي حين يحكم هذا العقل المغلق! برهن غبار تماثيل بوذا. وبرهنت دموع النساء اللواتي لم يعدن سوى أشباح. وبرهنت اللحى الطويلة قسراً. والموسيقا الممنوعة تحت حد السيف. تماماً كما برهنت جنازير الدبابات الأمريكية في العراق، وجنازير الدبابات الإسرائيلية في فلسطين.
ولأنه كذلك، لا يمكنني سوى أن أصرخ بأعلى صوتي، لأجلي ولأجل أطفالي: نعم لأسامة أنور عكاشة. نعم لحامد نصر أبو زيد وحيدر حيدر ونجيب محفوظ وفرج فودة.. نعم لكل الذين يُعمِلون عقلهم وفكرهم، بجد وحرية وأفق مفتوح ورؤية ديمقراطية، في البحث عن حياة أفضل، مهما كانوا، أو كانت أفكارهم.
ولا، بل ألف لا لمن يصادرون ويقمعون، مهما كانوا، أو كانت مبرراتهم. 

*- جريدة "النور"- العدد (174)-  27/10/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS