كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
تغيير جذري طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

لست أدري إن كانت الجزائر ستنجح في وضع قانون عصري للأسرة، وفق عنوان المادة المنشورة جانباً، أم لا. لكن، بعد كل هذه المقاومة الشرسة التي نراها لأي تعديل في قوانين الأحوال الشخصية في البلدان العربية، مهما بدا تافهاً، صار السؤال عن التعديل بحد ذاته سؤالاً مشروعاً.

مرّ زمن طويل على تاريخ وضع هذه القوانين. وبعضها قارب قرناً من الزمن. وجميعها اتخذت من مذاهب مختلفة من الفقه الإسلامي، ومخلفات قوانين الاحتلال العثماني، وبعض القوانين الأوربية، خاصة الفرنسي، مصادر مختلفة لها. وإن أصرت جميعاً على أن مرجعيتها هي الشريعة الإسلامية.
لقد تغير الواقع كثيراً منذ تلك الأيام التي وضعت فيها هذه القوانين حتى الآن.
كانت البلدان العربية قاطبة هي بلدان زراعية فقط، أو زراعية رعوية، أو رعوية فقط، مع بعض التلوينات التجارية التي رافقت جميع المجتمعات على مدى التاريخ. وفي كلا الحالين، الزراعي والرعوي، لم تكن المرأة إلا مستخدماً بلا أجر في الحقل أو في المرعى. وخادماً بلا أجر ولا حقوق في البيت والقبيلة. وكان الأطفال هم تلك الكائنات الحية التي ستخلف الجيل الحالي، فقط لا غير.
واليوم تغيرت المعادلة. فقد حققت المرأة درجات مختلفة من التعليم، ودخلت سوق العمل لتصير منتجاً للدخل رديفاً للرجل في تأمين حياة صارت تعتمد كلياً على التبادل السلعي: أي النقود –ليست أساساً حتى الآن عموماً-. وطبعاً استمرت المرأة، وإن بدرجة أقل، بالقيام بالعمل المنزلي الذي مازال غير معترف به وغير مأجور.
ولم يعد الأطفال هم فقط استمراراً للنسل. بل صاروا حملة المستقبل. أي أنهم المنوط بهم إيجاد آليات وعلاقات وقوانين جديدة لحياة جديدة في مختلف المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
هذا التغير في واقع الحال ليس تغيراً على السطح، بل هو تغير قلب الواقع برمته من علاقات إنتاج إقطاعية تعتمد الأب الكبير أولاً، ثم الذكور جميعاً كمنتجين وقادة. إلى علاقات إنتاج رأسمالية تعتمد الفرد فقط في الإنتاج والمسؤولية.
وهذا ما نلمسه اليوم حتى في التصورت الشعبية البسيطة التي ترغب في تزويج الابن من امرأة "موظفة"، أي تعمل عملاً ثابتاً ومضموناً لدى الدولة.
هذا التغير السريع الذي يزداد سرعة وتسارعاً كل يوم، مع التداخل المتزايد في كل الميادين بين المجتمعات كافة، هو ما جعل قوانين الأحوال الشخصية متناقضة تناقضاً متزايداً مع الواقع. ولم يعد الأمر يتعلق بتمييز أخلاقي هنا أو هناك.
إن وضع المرأة والطفولة في قوانين الأحوال الشخصية العربية اليوم هو وضع متناقض جذرياً مع دور كل منهما في واقع الحال. وهو ما يدفع للتساؤل إن كان تعديل هنا أو هناك، أياً كانت تسميته، هو ما نحتاج إليه، أم تغيير جذري شامل لقوانين الأحوال الشخصية بحيث تعود مرجعيته إلى الواقع الحي والمتغير؟
إذا كانت مقاومة تعديل بسيط هي على هذا القدر الذي نراه من الضراوة، فكيف سيكون الحال مع دعوة لتغيير جذري للقانون؟
بالتأكيد ليس مهمة سهلة. كما لم يكن التغيير في يوم من الأيام مهمة سهلة.  

*- جريدة "النور"- العدد (175)-  3/11/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS