كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
جرأة.. ولكن! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

مهما كان ما كتبه الباحث نبيل فياض في الزميلة (تشرين) حول ظروف اعتقاله، وأياً كان دافعه إلى ذلك، ومهما كان ما أثاره من ردود فعل ومقالات أخرى نشرت في الجريدة ذاتها، وفي غيرها، فإن الدلالة في ذلك هو الصدى الذي لاقته عند الناس. إذ هذه هي المرة الأولى يجري فيها تناول الأجهزة الأمنية في صحيفة رسمية، بالاسم، وبوضوح تام، مدحاً وذماً!


ولأنها المرة الأولى، فقد كان رأي الكثير من الناس مزيجاً من الدهشة والشك! الدهشة من أن يُنشر ما نشر في ذم تلك الأجهزة التي دأبنا على الخوف المعلن والصامت منها، والشك في براءة ما يكتب بعد عقود من الصمت (الإيجابي) للإعلام تجاهها! وهذا الصدى هو، أساساً، الهدف الأهم للصحافة. فالسلطة الرابعة لا تهدف، ولا تمتلك الوسائل لتغيير قرارات وآليات عمل السلطة والمجتمع بوسائل (سلطوية). بل تهدف في كل ما تنشره إلى التأثير على الرأي العام في هذه القضية أو تلك، بهذا الاتجاه أو ذاك.
وهذا التأثير والتفاعل متعلق بالحرية والمبادرة والجرأة التي يملكها كل من الطرفين: وسائل الإعلام، والمجتمع. وما جرى في ذلك الحوار يتعلق بالطرف الأول فقط، وهو ظرفي حتى الآن، رغم جرأته، إلا أنه لا يستند إلى حرية حقيقية. إذ يمكن لقانون المطبوعات السيئ الصيت أن ينال من كاتب هذه المادة أو تلك بغرامات باهظة وسجن لمدة طويلة، إذا رغبت الأجهزة الأمنية بذلك. كما يمكن لقانون الطوارئ والأحكام العرفية، خاصة المرسوم رقم 6 لعام 1965، أن يصل بالعقوبة إلى حد الإعدام!
إذاً فالكتابة في هذا الشأن هي جرأة شخصية معلقة في فراغ. ولا تستند إلى أي شكل قانوني من الحماية. وتغيير هذا الواقع، أي قانون المطبوعات، ورفع قانون الطوارئ والأحكام العرفية، هو شرط لازم غير كاف لصحافة جريئة ومسؤولة.
ومن الطرف الآخر، أي المجتمع، لا يختلف الوضع. الأمر الذي عبر عنه أحد أصدقائي المهتمين بالشأن العام اهتمام الناس غير المختصين، إذ قال: ولكن الباحث المشهور هو الذي قامت الدنيا ولم تقعد لاعتقاله! والآخر صحفي مشهور أيضاً وستقوم الدنيا فيما لو اعتقل! فهل يحدث ذلك إن اعتقلت أنا مثلاً؟!
أليس سؤالاً وجيهاً؟ أليس الخوف المتضمن فيه، المستند إلى واقع مديد في الزمن، مستمر استمرار قانون الطوارئ والأحكام العرفية، خوفاً مبرراً؟
إذاً، إن مبادرة الزميلة (تشرين) إلى نشر ما نشرته، بغض النظر عما أثير هنا وهناك حول توجيهات أو أذونات أو غير ذلك، مبادرة هامة جداً وتدعو حقاً إلى التفاؤل. إلا أنها في الوقت ذاته محدودة بسيفين حادين قاطعين كلاهما في يد السلطة التنفيذية: قانون المطبوعات بوضعه الحالي، وقانون الطوارئ والأحكام العرفية.
وهو ما يجعل السلطة التنفيذية، وبضمنها الأجهزة الأمنية، صاحبة القرار الأول والأخير في مدى الحرية والجرأة التي يمكن لهذا الصحفي أو ذاك، أو هذه الصحيفة أو تلك، أن يبلغها.
وحتى تخرج المبادرة من هذا الحدّ، حتى تخرج من كونها جرأة من الكاتب تقارب التهور، وخطوة من الناشر مثيرة للشك والتساؤل، لا بد من رفع سيفي قانون المطبوعات وقانون الطوارئ، وإعادة الثاني إلى وضعه الطبيعي بصفته قانوناً خاصاً بأحوال خاصة لسنا فيها. بل لم نكن فيها منذ زمن طويل جداً! 

*- جريدة "النور"- العدد (178)-  1/12/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS