كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
فن حكم الدول طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

علمونا ذات يوم، في كتب الوطنية، أن السياسة هي فن حكم الدول. وأصرّوا كثيراً على كلمة (فن) هذه! رامين عليها أستاراً من الحجب جعلتها كلمة سحرية تخيف بقدر ما تجذب! وتوحي، أكثر ما توحي، أن لهذه المهمة الشاقة والعسيرة رجالها السحرة النادرين والمميزين! وطبعاً، كعادة كتبنا المليئة باستشهادات لا تهدف إلا إلى مسح العقل وتثبيت المحفوظات، قدمت بضعة أسماء على أنها نموذج فذّ لهؤلاء الرجال النادرين!

فن حكم الدول؟! يا لها من خدعة انطلت علينا. وتلبسناها حتى صار البديهي في عقولنا أن (السياسة للسياسيين)! أي: ما لنا ولها؟
لم يقل لنا أحد إن السياسة ليست فناً إلا من حيث النتيجة. أما قبل ذلك، فهي عمل يومي يتعلق بالسعر الجهنمي لحفاضات الأطفال بقدر ما يتعلق بالأهداف غير المعلنة لأمريكا في احتلالها العراق! وهي قانون العاملين الموحد الذي استطاعت بضع كلمات في المادة 137 أن تحوله إلى قانون الحكومة الموحد، بقدر ما هي برامج تلفزيونية لا تطاق! وهي غياب أي شكل من تعليم حقوق الإنسان في المدارس، بل الجامعات، بقدر ما هي شوارع محفرة لا تجد من يسفلتها! وهي أيضاً تمييز صارخ ضد المرأة يجعلها كائناً من الدرجة الثانية، بقدر ما هي محاكم استثنائية لا تخضع لوزارة العدل ولا تقبل الطعن والاستئناف!
لم يقل لنا أحد إن السياسة هي تفاصيل يومنا من اللحظة التي نفتح فيها أعيننا اليوم، إلى مثيلتها في اليوم التالي! وأنها تبنى على قوانين وقرارات تتدارسها هيئات ليست، ولا يمكن لها أن تكون حيادية! وأنها تتعلق أولاً وأخيراً بي أنا: الشخص المعين والمحدد والموجود في مكان محدد ويحمل هوية خاصة برقمين يسجل كلاهما في سجل الشرطة إذا خطر لي خاطر جهنمي بالذهاب من دمشق إلى إحدى ضواحيها البعيدة جداً (20 كم!) كعين الفيجة مثلاً!
ولأن أحداً لم يقل لي ذلك، ولأن ما قيل لي، واقعياً، هو ما علمونا إياه في المدارس ذات الموجّه والمدارس ذات الأسلاك والحراس، فتحت فمي مندهشاً مما سمعته قبل أيام عن أن مملكة البحرين، العضو في الجامعة العربية، قررت إدراج مقرر خاص بحقوق الإنسان في مناهجها المدرسية كمادة مستقلة!
يا للهول! أليست البحرين هي إحدى بلدان الخليج التي ما زلنا ننظر إليها، دون أن نصرح بذلك، على أنها مجموعة من البدو الأثرياء اللاهثين وراء النساء والخمر والمخدرات في أصقاع الأرض! أليسوا أولئك الذين ما إن يفكر أحدهم في منح جائزة ثقافية، على سبيل المثال، حتى نسارع إلى اتهام من يقبلها بأنه يقبض من البترودولار دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث للحظة واحدة!
بلى هي واحدة من تلك الدول التي يضم بعضها أفضل الجامعات العربية! وتضم أغلبها نسبة من حملة الشهادات العليا الحقيقية أعلى مما عندنا هنا! بل وهي ملَكية أيضاً!
كيف حدث ذلك إذاً! كيف قررت تعليم حقوق الإنسان والديمقراطية كمادة مستقلة في مناهجها التعليمية! ألا تخاف من تسلل عملاء الموساد والمخابرات الأمريكية وضعاف النفوس وذوي المآرب الخاصة و.. و.. إلى (قلعتها الحصينة) فيعيثون فيها فساداً؟ ألا تخشى من أن يقوم الجاهلون واللصوص والمجرمون باستغلال هذا الأمر فيسودوا ويقودوا؟ ألم يقرؤوا كتبنا الوطنية المقدسة، ويفهموا أن السياسة هي فن حكم الدول؟ وهي بالتالي حكر على الفنانين؟ وأن تعليم حقوق الإنسان يعني السماح (للناس) أن يفكروا ويقرروا؟ بل ويحاسبوا أيضاً؟
يا للعار والشنار! لقد فعلها أحفاد أجدادنا الذين قاموا ذات يوم ببناء أمة لم يكن يجمعها قاسم مشترك أكثر انتشاراً من الرمال!
ليكن. فعلى نفسها جنت براقش! أما نحن فقد عرفنا وفهمنا حكمتنا الذهبية. وثقوا ثقة تامة أننا لن نسقط في هذا الفخ. ولن نسمح للعوام أبداً بأن تتعلم ما هو أصلاً للمتميزين!  

*- جريدة "النور"- العدد (179)-  8/12/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS