كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow هوب هوب.. سياحي!
هوب هوب.. سياحي! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

هل فكرت أن تذهب يوماً إلى القامشلي أو الحسكة أو البوكمال أو دير الزور أو الرقة، بوساطة شركة نقل القدموس (شركة نقل سياحي من الدرجة الأولى)؟ لا؟ إذاً أنت محظوظ!


أما أنا فلم أكن كذلك. إذ اخترت أن أحجز مقعداً لجسدي على متن بولمانات هذه الشركة السباقة في كل شيء! وكان من المفترض أن تنطلق رحلتي إلى الرقة في الثانية عشرة والربع ظهراً. وجاءت الساعة المعينة، ثم مر بعدها خمس دقائق، فخمس أخرى، فربع ساعة، فنصف ساعة دون أن يأتي البولمان العتيد!
في الانتظار، وقفت أراقب حركة البولمانات في كراج حرستا بدمشق. الكراج الذي يذكرني، كلما دخلت إليه، بزنزانة قضيت بعض الوقت فيها. فكما كانت زنزانتي تمتد طولاً دون أن تتسع لجسدي إذا مددته على طوله، يمتد هذا الكراج طولاً دون أن يتسع للبولمانات الكثيرة العدد. حتى إن الناس ينحشرون بين بولمانين حين الصعود إلى أحدهما، وتنحشر بخطورة شديدة حين يتقدمون لوضع أمتعتهم في الصندوق! هذا عدا ضيق الرصيف المخصص للركاب وازحامه بالوشيشة وباعة اليانصيب والأطفال الشحاذين والعاملين في الشركات السياحية! وعدا الوساخة التي لا تطاق. والاستراحة التي تشبه استراحة سوق الحرامية. والحمامات التي تحتاج إلى كمامة وجزمة طويلة لارتيادها!
أثناء مراقبتي هذه لاحظت أن بولمانات الشركة التي حجزتُ مقعداً فيها تنقسم إلى قسمين: قسم حديث جداً، وقسم آخر يضم البولمانات التي استوردتها الشركة في بداية إنشائها (أوائل التسعينيات). والقسم الثاني مهترئ من الخارج والداخل. فزجاجه الأمامي مكسور على الأغلب. ومقاعده سيئة ومخلّعة. والطاولة الصغيرة التي تضع عليها كوب الماء غير موجودة أو لا تثبت في مكانها.
لكن الأهم من ذلك، أن البولمانات الحديثة مخصصة لبضع خطوط: طرطوس، اللاذقية، حلب! بينما أربع بولمانات لحظتها تتجه إلى المنطقة الشرقية هي تلك البولمانات المخلعة! وقلت في نفسي: لا باس! إذا كانت الحكومة تعدُّ تلك المناطق نامية، بمعنى أن أي شيء يصلح لها، فما العتب على شركة لا يهمها سوى الربح بغض النظر عن إرضاء الزبون المجبر على اختيار إحداها؟!
في الواحدة إلا عشر دقائق، أي بتأخير 35 دقيقة جاء البولمان المنتظر. وليته لم يأت! إذ لم تنطبق عليه المواصفات السابقة فحسب، بل هو في آخر سلمها! وطبعاً، كعادة السادة المطمئنين على سيادتهم، لم يكلف أحدهم نفسه عناء الاعتذار عن هذا التأخير!
المهم، صعدنا إلى البولمان. وكان اليوم خميساً. وهو يوم تزداد فيه الحركة من دمشق إلى خارجها. فبقينا نحو ربع الساعة حتى خرج البولمان من باب الكراج. ليعبر طريقاً ضيقاً لا يكاد يتسع له. ويضطر كلما أتت سيارة في الاتجاه المعاكس إلى الوقوف خارج الأسفلت لتمر السيارة!
ولأن شركة القدموس حريصة جداً على وقتها، وهو حرص لا يتعلق من قريب أو بعيد بوقت الركاب، يذهب البولمان بعد أن يحشر ركابه فيه إلى محطة الشحن، ثم يتوقف هناك ما قدر له، حتى يحمّل عمال الشحن الطرود البريدية وغيرها على متن البولمان! ثم بدأت الرحلة. بل المرحلة الأولى من الرحلة. إذ ما إن خرجنا من دمشق، ووصلنا إلى إحدى المحطات قرب حرستا، حتى دخلها البولمان وتوقف قليلاً وسط استغراب الركاب. وفجأة صعد رجل يلبس اللباس الموحد لهذه الشركة إلى البولمان وصاح بكل وقاحة: انزلوا واركبوا في البولمان الآخر!
هكذا حرفياً! بلا أية كلمة زائدة أو ناقصة! بلا اعتذار! بلا شرح! ولم يكن ينقص سوى أن يحمل عصا الراعي ويسوقنا سوقاً! انصعنا طبعاً لهذا السوق. وصعدنا إلى البولمان الآخر. وجلسنا في مقاعدنا. ونظر بعضنا إلى بعض. وتثائبنا. بينما السائق يجلس مشعلاً سيجارته على مقعد القيادة. تساءلنا لماذا لا يتحرك البولمان؟ ويبدو أن سؤالنا كان يحمل وقاحة متناهية واستهتاراً بالسائق والشركة! إذ ردّ السائق على تساؤلنا بأن أدار مفتاح المذياع ورفع الصوت راسماً على شفتيه ابتسامة ساخرة!
انطلق البولمان (الآخر) بعد أكثر من ربع ساعة. فأرخينا رؤوسنا على المقاعد كاظمين الغيظ. وقام المرافق ليقدم الماء إلى البهائم الجالسة في مقاعد معتقدة أنها بشر! حين وصل إليَّ ومدّ يده ليمسك الكأس، لم أر يداً. بل شيئاً ما تماوج على جلده شحم المحركات وزيت الديزل! نسيت حينئذ اهتمامي بالطبقة العاملة ودفاعي عنها. وفزّ فيّ حليب النَوَر. فقد طفح الكيل. وصار ما صار.
وصلنا إلى كراج حمص ونزلنا فيه. سألت المرافق إن كانت هذه استراحة أم مجرد تبديل ركاب. فقال إنها استراحة لربع ساعة. فنزلت. دخلت الحمام بسرعة. وشربت واقفاً فنجان قهوة، وخرجت لأصعد البولمان! أي بولمان؟ لم يكن هناك أي منها ينتمي إلى الشركة المصنفة شركة سياحية! عدت إلى مكتب الحجز داخل بهو كراج حمص. سألت الموظف خلف النافذة الزجاجية بتهذيب شديد: هل رحل البولمان المتجه إلى الرقة؟ لم يكلف السيد المشغول نفسه عناء رفع رأسه، فكيف الرد علي؟! أعدت سؤالي مرة أخرى فأشار بقلمه دون أن يرفع رأسه إلى موظف آخر. طلبت الموظف الآخر الذي كان يتحدث مع أحدهم. فلم يرد علي مرة أخرى. يبدو أن الحليب ذاك قد فار مرة أخرى. فانطلق صراخي بقوة. حينذاك فقط التفت الموظف المعني، كما التفت كل من في بهو البولمان، ليرد على سؤالي: طبعاً غادر. وفهمتها على السريع: لقد انتقم السائق والمرافق لما سببته لهما من إزعاج حين احتججت على التأخير ويدَيْ المرافق الوسختين!
هل هذه حكاية فردية؟ قصة تحدث في كل بلاد الدنيا مع كل الشركات؟ ربما كانت كذلك. إلا أنني شخصياً كنت شاهداً على بضعة حوادث أخرى بين الركاب والشركة ذاتها. إضافة إلى أن كل من سمع القصة روى حكاية عن مغامراته مع هذه الشركة!
بالتأكيد ليست هذه الشركة فقط هي التي باتت تتعامل مع زبائنها على أنهم نعاج بعد أن استقرت لها السيطرة المطلقة على حركة نقل الركاب. لكنها نموذج فذ للوقاحة المضافة إلى سوء خدماتها. ومع ذلك، ما تزال شركة سياحية من الطراز الأول. وتقبض منا أسعار خدمة سياحية. ولا مَن يهتم! ولا من يسمع!
قبل فترة قرأت مقالة عن تكون الرأي العام في سورية. وقد أعجبتني فعلاً إلى درجة أن عقلي الضعيف ونفسي الأمارة بالسوء قد قررت، نهائياً، ممارسة حقي هذا في أن أكون أنا الرأي العام. وقررت أن تكون الرحلة تلك هي آخر تعامل لي مع هذه الشركة السياحية. حتى لو ذهبت إلى المالكية مشياً على الأقدام.  

*- جريدة "النور"- العدد (180)-  15/12/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS