نعم.. ترددت كثيراً في اختيار هذه الكلمة (سعيد) لهذه الأمنية! ربما بالدرجة ذاتها التي ترددت أن أكتب عن هذا الموضوع القديم: بداية عام جديد. ليس لأنه بات كلاسيكياً إلى أقصى درجة. فهو لا يتوقف عن التجدد. وليس لأن التشاؤم غلبني. فهو لم يفعل ذلك بعد. لكن لسبب آخر تماماً هو مللي القاتل من كل تلك الصيغ العامة في الحديث أياً كان. تلك الصيغ العامة التي باتت تسيطر على كل ما في حياتنا.
كم عدد أولئك الذين يتحدثون ليل نهار عن كمال الديمقراطية، أو قصورها أو انتفائها في بلدنا؟ مع ذلك كم مرة قرأتَ فيها مقالة تتناول تفصيلاً واحداً وتشبعه نتفاً ونقداً؟! كم صفحة دبجت في الصحف، وساعة بثت على التلفاز تتحدث عن أهمية المساواة بين النساء والرجال؟ وكم مرة قرأتَ أو شاهدت موضوعاً يتحدث بالأرقام ويحلل واقعة واحدة ويقترح حلاً عملياً مباشراً؟
جميعنا يتحدث عن قانون الطوارئ. كم واحداً فينا قرأ قانون الطوارئ؟ كم واحداً يعرف بالضبط أين يتناقض قانون الطوارئ مع الدستور؟ وماذا عن قانون الأحوال الشخصية؟ أو قانون الجمعيات؟ ماذا عن الخصخصة؟ عن الخدمات الاجتماعية؟ عن الموازنات والميزانيات؟
هل تعرفون كم سيجارة ننتج يومياً؟ هل تعرفون كم يتكلف المزارع على كيلو غرام واحد من القطن، وكم يقبض ثمنه؟
كم عدد النساء المعنفات بالضبط؟! كم عدد حالات الطلاق التي بنيت على العنف؟! وتلك التي بنيت على الفقر؟
كم طالباً درس الفرع الذي يريده؟ كم خريجاً يعمل في غير مجال اختصاصه؟
ما هو عدد الجمعيات الأهلية (خيرية وغير خيرية، مرخصة وغير مرخصة) التي تعمل في مجتمعنا الآن؟! ماذا تعمل كل واحدة بالضبط؟ كم برنامجاً وُضِع، ومن وضعه؟ كم نشرة وزعت حقيقة على المعنيين بنشاط هذه الجمعيات؟
كم عدد المنتسبين حقاً إلى كل حزب (مرخص أو غير مرخص) في البلد؟ كم منهم حمل شهادات عليا؟ كم منهم يبلغ عمره بين الخامسة والعشرين والخامسة والأربعين، مثلاً؟
لا شيء! لا شيء في كل شيء..!
كل ما نعرفه هو هذا التعميم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع! هذا التلطي خلف الكلام الذي قيل، ثم أعيد قوله مرات تكفي لإقناع الحمار أنه مجرد.. كلام! هذا الكسل الذي تغلغل في كل مناحي حياتنا حتى بات صوتنا وهويتنا!
ولذلك ترددت أن أقول: سعيد! هذه الكلمة التي لا تعني شيئاً. وتعني كل شيء! هذه الكلمة التي نقولها لأننا اعتدنا على قولها، فقط لا غير!
أنا، شخصياً، لم أعد أحتاج تلك الصيغ العامة. تلك الأحكام العامة. تلك المقولات التي تبدو كاملة مكملة، بينما هي قشرة حق لا تحوي سوى.. الفراغ! وإذا كان هناك الكثيرون مثلي، فربما يفسر هذا لماذا لم يعد أحد يهتم بأحزابنا وجمعياتنا ووسائل إعلامنا كلها: الرسمي منها وغير الرسمي، الموالي والمعارض، المقروء منها والمسموع والمرئي! وأنا، شخصياً، واحد من هؤلاء الذين وصل بهم الملل من هذه الصيغ حداً أغلقَ فيه أعلى حلقومي! وأكاد أتقيأ!