ثلاث طبعات حمراء كبيرة تعلن بلا لبس: (محكوم)، على خلاصة السجل العدلي لمن ساء به الحظ، أو أخطأ في أمر ما، أو فكر ذات يوم أن يهتم بالشأن العام خارج إطار (المسموح)!
ليس في هذا أية مشكلة. إذ من الطبيعي أن توضع هذه الجملة على سجل هؤلاء الناس طوال المدة التي قُررت قبل (إعادة الاعتبار). أي قبل أن تستبدل هذه الطبعة الحمراء بطبعة حمراء أيضاً، لكن لمرة واحدة فقط، تقول: (غير محكوم).
المشكلة هي في الطريق بين الطبعتين. وأخص بالذكر هنا أولئك الذين حكمتهم ذات يوم محكمة أمن الدولة العليا، وهي للعلم محكمة استثنائية غير خاضعة لوزارة العدل، ولا لأصول المقاضاة، ولا تقبل أحكامها الطعن والاستئناف. وأحكامها معلقة بتصديق الحاكم العرفي فقط! أخصهم بالذكر لأنني لا أعرف الطريق المطلوب للمحكومين بجرائم أخرى في القضاء المدني العادي. وللعلم أيضاً القضاء المدني العادي، رغم تردي أحواله راهناً، هو قضاء جدير بأن يأخذ على كاهله جميع أنواع القضايا، وبضمنها تلك التي تكون التهمة فيها المس بأمن الدولة العليا.
إذاً على هؤلاء أن يلهثوا هنا وهناك ليعرفوا متى ستنتهي الفترة المقررة لإعادة الاعتبار. وهي فترة اختلف فيها المحامون نظراً لطبيعة المحكمة وطبيعة الأحكام الصادرة عنها. وحين يحين الوقت الموعود، عليهم أن يذهبوا إلى قسم إصدار خلاصة السجل العدلي في إدارة الأمن الجنائي أو مديرياتها في المحافظات. ثم عليهم أن يحملوا بأيديهم هذه الورقة الزرقاء ذات الطبعات الحمراء ويمضون بها إلى ديوان مقام محكمة أمن الدولة العليا بدمشق، بدمشق حصراً، حتى لو كان المعني بالأمر من المالكية في أقصى الشمال الشرقي! ولا بد من وضع عنوان الإقامة الحالي في الديوان. وبعد أن يسجلوها في الديوان عليهم أن يغيبوا فترة من الزمن، عادة ما تكون بين 3 و4 أشهر. وخلال هذه المدة لا بد أن يراجعوا ديوان المحكمة المذكور بضعة مرات للتأكد مما إذا كانت النتيجة قد وصلت أم لا! وحين تصل، يكون باب الفرج قد فُتح!
ما الذي يجري في هذه الـ 3- 4 أشهر؟!
يعرف الجميع أن الطلب يذهب إلى كل فروع الأمن في سورية. وبعد أن يذيلها كل فرع، يذهب إلى وزارة الداخلية التي ترسل شرطيين ليسألوا عن سلوكك وأخلاقك وقيمك وسمعتك و.. في الحارة التي تقطنها! وأخيراً يعود إلى ديوان المحكمة!
هل هذا معقول في بداية الألفية الثالثة التي تكاد النقود تختفي فيها في بلدان العالم المتقدم وشبه المتقدم مستَبدَلة ببطاقات إلكترونية؟! لماذا يجب أن يدور الطلب هذه الدورة؟! وإذا كان المعني قد حكم، وأمضى حكمه، ثم أمضى الفترة اللازمة لإعادة الاعتبار، فما علاقة فروع الأمن بهذا الأمر؟! ولماذا لا يدوّن تاريخ نهاية الفترة المطلوبة على كمبيوتر إدارة الأمن الجنائي مباشرة بحيث يعاد الاعتبار تلقائياً حين انتهاء الفترة؟! وما علاقة الحارة بهذا الأمر؟! هل يقرر جار تشاجرت معه حول شجرة في حديقته تمنع الشمس عن نافذتي، أو لأن ابنينا تشاجرا حول قطعة شوكولا أو.. هل يقرر مصيري؟! ولماذا على الحارة كلها أن تعرف أنني كنت محكوماً وتبدأ بالنظر إلي نظرة مرتابة؟! وكيف لي أن أشرح لهم أنني لم أحكم بسبب جريمة اغتصاب أو قتل أو سرقة دون أن أعيد شرح قصتي كاملة بما تتضمنه من احتمال أن لا يعجب ذلك المعنيين ويعدونه معارضة ممنوعة لهم؟!
لا يخص هذا الأمر، كما يعرف الكثيرون، عدداً قليلاً من الناس. بل قد يصل عددهم إلى الآلاف! وعلى كل منهم أن يمشي في هذا الطريق الطويل والمذلّ! الطريق المعيب، غير المبرَّر وغير المقبول أبداً!
أيها السادة! بعيداً عن الحديث حول شرعية أو عدم شرعية هذه المحكمة وهذه الأحكام، أوقفوا هذا التشهير!