لا تكاد تشرع في حديث عن أمر من أمور بلدنا التي نعيشها يومياً، بدءاً من سوء الطرقات إلى الديمقراطية، حتى يسارع الحاضرون من كل الأنواع والمستويات إلى (فتح باب السماء)! فتنهال الملاحظات والانتقادات والتحليلات وتصورات الحلول وأنصاف الحلول، غزيرة كمطر هذا العام!
ولا بد أن تجد دائماً أغلبية تتقن التحليل وفق أقدم أو أحدث المدارس! فترى، وأنت تصغي لما تصغي إليه، كيف أن الجوع في الصومال، وثقب الأوزون، واحتلال أمريكا للعراق، ومشكلة نقص الفتيات في الصين، والوضع في كوريا الشمالية و.. جميعها تؤثر فيما نحن فيه وعليه! وترى بأم أذنك كيف أن العالم مترابط حقاً! وقرية صغيرة بامتياز!
لكن.. إياك ثم إياك أن تتساءل، ولو بعينيك فقط، عما يمكننا فعله تجاه ما نعيشه! فإذا فعلتها فستسمع عن حواجز وحيطان وسواتر ومصدّات كافية لإقناعك بيقين تام أن شيئاً ما لا يمكن فعله! فالعالم قد تقرر! وما لم تحل مشكلة القبائلية بين الهوتو والتوتسي لن يكون في إمكاننا فعل شيء بخصوص قانون المطبوعات الذي يخصنا! وما لم تتوقف الولايات المتحدة الأمريكية، زعيمة الإمبريالية المتوحشة الشرسة، لن يكون أمامنا أي سبيل لتحسين أداء مشفى المواساة! وفوق ذلك كله، ما لم يرفع قانون الطوارئ والأحكام العرفية وتقر جميع القوانين الحديثة والحداثية وما بعد الحداثية، وما لم يحد دور أجهزة الأمن بمهامها النظامية فقط، وما لم ينتهِ الفساد والمحسوبيات، وما لم.. لن يكون في إمكاننا فعل شيء على الإطلاق!
هل حقاً هكذا هي الحياة؟ وإذا كانت كذلك، فكيف استطاع آخرون على مدى قرون وقرون أن يغيروا ما غيروه؟ ألم يكن هناك عالم متشابك وأجهزة شرطة وأمن، وسجون ومعتقلات وتعذيب وإعدام و.. عبر العالم وعلى مدى التاريخ؟! أم أن أولئك الناس كانوا مصنوعين من مادة مريخية لا تتأثر بالعوامل الخارجية؟! أو لم يكن لديهم أسر وأطفال وعوائل مربوطة برقابهم؟!
لمرات لا تحصى واجهتني الصيغة التالية: لا يفيد هذا العمل ما لم يتغير كذا..؟! وهذا ال (كذا) متغير حسب تغير الشخص. مرة هو قانون الطوارئ. مرة أخرى هو القضية الفلسطينية. ومرة ثالثة هو... ورابعة وخامسة وسادسة..
ليس لدي أدنى وهم في وجود بلد واحد في العالم لا تترابط قضاياه وقضايا العالم. لكنني لا أعرف، بمعرفتي المحدودة، بلداً في العالم يوقف كل شيء على حل كل شيء!
وليس لدي أيضاً أي وهم في وجود بلد واحد في العالم ليس فيه خطوط حمر يمنع المساس بها. ولكنني لا أعرف، بمعرفتي المحدودة أيضاً، بلداً آخر يقبع مثقفوه على مسافة بالغة البعد عن هذه الخطوط خوفاً واتقاءً! حتى أكثرها دموية وديكتاتورية كما كان الحال في السلفادور.. أو في تشيلي بينوشيت!
هناك خطوط حمر في هذا البلد. وقد تكون خطوطاً كثيرة. وقد يكون سقفها منخفض قياساً بهذا البلد أو ذاك. لكن الخطوط الحمر التي وضعناها نحن لأنفسنا، والسقوف التي حددنا بها رؤوسنا وهاماتنا، هي أخفض بكثير مما هو مفروض علينا! والفرق بين السقفين هو مسؤوليتنا نحن. ونحن فقط!