كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow مصلحة مشتركة.. ولكن!
مصلحة مشتركة.. ولكن! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

نعم، من مصلحة الرجال أن يعاد ترتيب العلاقة بينهم وبين النساء وفق منظور العدالة والمساواة. وبما يلائم مقتضيات العصر الحديث. فهذا يخفف عن كاهلهم أعباء لم يعودوا قادرين على حملها. ويحل تناقضاً نفسياً يأكلهم من الداخل بين أن يكونوا (رجالاً) بالمعنى التقليدي للكلمة كما تطالبهم العلاقة القديمة، وبين عجزهم عن فعل ذلك وفق الواقع الحديث.


ولكن.. يبدو لي أن هذا طريق طويل وصعب. ليس لكل الأسباب المعروفة عن المجتمع وقوانينه وعاداته وتراثه، رغم واقعيتها. بل لسبب آخر هو علاقة المجتمع ببنيتيه الأساسيتين: الفرد والأسرة. أو بكلمات أكثر معاصرة: المواطن والأسرة.
فالتغيرات التي حصلت في البلدان التي حققت أفضل المستويات في تكافؤ ومساواة المرأة والرجل لم تتحقق لأن وعي الناس قد تغير. أو لأن قوانينه قد تغيرت. بل هذا الوعي وتلك القوانين تغيرت بناء على تغير الواقع.
والواقع هنا، حتى لا نذهب بعيداً، هو معطيات محددة ملموسة. أهمها اعتبار الفرد، ذكراً وأنثى، مواطناً كامل الأهلية بدءاً من بلوغه سن الرشد. وهذا أمر مجتمعي قبل أن يكون قانونياً. أي أنه محقق في المؤسسات العاملة في المجتمع، وبضمنها الدولة، وفي آليات هذه المؤسسات. ومن الواضح أن المرأة عندنا لا تبلغ سن الرشد أبداً. ولا تصير مواطناً كامل الأهلية طوال حياتها. فكل شيء في حياتها مرتبط بالذكور: الزواج والسفر والعمل والإنجاب والسكن و..
وهذه جميعها مرتبطة بمعطى آخر هو اعتبار الأسرة هي الخلية الأساسية في المجتمع. الأسرة وليس الفرد.
فالأسرة، وفق منظور أنها الخلية الأساسية في المجتمع، تجب الفرد. خاصة المرأة. لأنها موضوعة على أساس أنها مجتمع كامل مصغر: اقتصادياً واجتماعياً وبيولوجياً.. وهي بذلك تحكم إغلاق الدائرة حول أعضائها بحيث تتحكم بحركتهم وحريتهم وفق منظورها الخاص.
وما لم تتحول الأسرة من الخلية الأساسية في المجتمع إلى مؤسسة من مؤسساته تقوم بأعمالها لصالحه وبالتعاون و التشارك معه، لن يكون لأي من أعضائها وجود خاص. باستثناء ربها المعترف بسلطته فيها، أي الرجل.
وأن تتحول الأسرة إلى مؤسسة من مؤسسات المجتمع يعني أن تخرج أعمال الطبخ والغسيل والتربية والتعليم والصحة و.. من نطاق صلاحياتها المطلقة إلى نطاق المجتمع. ويعني ذلك عملياً توفير دخل مناسب للأسرة، وتوفير طيف الخدمات المنزلية بشكل اجتماعي وبتكلفة مقبولة. كالمغاسل الجماعية والمطاعم الرخيصة ورياض الأطفال المناسبة والمدارس ودور الاستشارات النفسية والاجتماعية ومؤسسات حماية الطفل من عسف الآباء وملاجئ الأمهات المعنفات.. وكل ذلك بتكلفة مناسبة. وقوانين صارمة تحد من شطط الأهل في علاقتهم مع أولادهم ومن الشطط في علاقة المرأة والرجل أحدهما بالآخر.
هذا الواقع، المواطنة والأسرة المؤسسة، المتحقق إلى درجة كبيرة في المجتمعات الغربية، وغير المثالي بالتأكيد، والمتقدم على ما هو الحال عندنا، هو الذي غير وعي الرجال والنساء بعلاقتهم بعضهم ببعض. وبعلاقة كل منهم، على انفراد ومجتمعين، بالمجتمع.
من نافل القول إن ذلك بني كله على أساس العلاقات الاقتصادية الرأسمالية التي حولت الإنتاج من إنتاج أسري إلى إنتاج فردي. وتطلبت علاقة مباشرة مع الفرد المنتج، لا مع (أسرة منتجة). وهو ما تحقق اقتصادياً في بلدنا إلى درجة كبيرة دون أن يترافق مع التغيرات الاجتماعية الملائمة له.
إذاً، انطلاقاً من واقع أن اعتبار المواطنة هي الأساس، والأسرة هي مشارك في المجتمع لا خليته الأساسية، تبدو الصعوبة والطريق الطويل لتحقيق العدالة والمساواة بين المرأة والرجل. إذ إن التغير في القوانين وفي الوعي، رغم أهميته وضرورة العمل عليه. سيبقى قاصراً وصعب التجسد على الأرض ما لم يرتبط ارتباطاً حيوياً بقضايا المجتمع الأساسية: المواطنة والديمقراطية والبطالة والدخل المناسب..
وقبل أن يخرج أحد لينتف ريشي متهماً إياي أنني أدير العجلة إلى الوراء، وأرهن حل قضايا المرأة بحل قضايا المجتمع، أسارع إلى التوضيح أن الأمر ليس هكذا. ولا يتعلق برهن حل أية قضية بقضية أخرى. بل فقط بمحاولة تفسير الممانعة المجتمعية، والذكورية منها خاصة، الشديدة لقضايا المرأة تلك. هذه الممانعة التي تعاد أولاً إلى الوعي المحافظ أو المتخلف.. وكأن الوعي المتقدم والمنفتح قادر على تحقيق العدالة والمساواة!
المواطنة، أي الديمقراطية الحقيقية، واعتماد الأسرة كمؤسسة من مؤسسات المجتمع التي تعمل بالتشارك والتعاون معه، هما أساسان لابد من العمل عليهما بالتداخل والتفاعل مع تغيير القوانين والوعي العام حتى تسير قضايا المرأة في الحرية والعدالة والمساواة على قدمين. لا أن تعرج على قدم واحدة.  

*- جريدة "النور"- العدد (190)-  9/3/2005

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS