قبل أيام قرأت زاوية للسيدة ميساء حليوة، وهي محامية نشيطة في مجال قضايا المرأة، وخاصة فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية، تتساءل فيها عن أي أم نحتفل بعيدها؟! وتطرح بمرارة قاسية حقيقة أن هذه الأم- المرأة لا تتمتع في بلدنا بأية سلطة على أبنائها.
فبينما يحق لجد الطفل أو جد جده أو عمه أن (يأذن) بزواجه، تحرم الأم التي أنجبته وربته من هذا الحق! كذلك لأولئك (الرجال) الحق بإدارة أموال هؤلاء الأطفال، بل والتصرف بها، ومنحهم إذن السفر خارج القطر، والإقرار بنسبهم إلى أبيهم حتى لو ولدوا خارج القطر! بينما لا يحق أي من ذلك للأم نفسها!
حقاً إذاَ، أي عيد هذا الذي نحتفل به؟! وأية أم نحتفل بها؟!
هل هن أولاء الأمهات المتناثرات على الأرصفة يصففن أمامهن علب التبغ المهرب، أو بعض أوراق اليانصيب، أو بعض الزجاجيات؟!
أم هن أولاء اللواتي بتن يملأن أسواق الخضرة بائعات مكدات يجنين ما يجنين، ويعِلن أسرهن، أو يساهمن بإعالتها مساهمة جادة، دون أن ينالهن شيء إذا حدث طلاق أو طرأ مكروه؟!
هل هن أولاء النسوة- الأمهات اللواتي يستيقظن قبل شروق الشمس مشمرات عن سيقانهن وهن منكبات على عزق الأرض، أو يمررن الماء لسقاية الموسم، أو يقطعن رؤوس شتلات التبغ، أو يقطفن القطن، أو.. ثم يعدن إلى البيت ليشمرن عن سواعدهن ويشرعن في الطبخ وغسيل الثياب وتنظيف البيت و.. ثم (يتجهزن) لليل لم يبق له سوى جسد ميت؟!
أي عيد هذا الذي نحوله إلى مطهر نتخفف فيه من ذنوب لم نتورع عن ارتكابها مدى الأيام 364 السابقة؟!
أية وردة هذه التي تستطيع أن تمسح جراح غابات من الشوك؟!
بالتأكيد، ليست الأمومة (معجزة)، وليس الحَبَل خارقاً، ولا التربية فعلاً استثنائياً. بل فعل يومي يقوم بالتشارك بين الرجل والمرأة. والقصة أن (حصة) المرأة من هذا الفعل أضعاف حصة الرجل! ومردود المرأة منه يكاد لا يذكر!
فهل يمكن الاحتفال بعيد كهذا ما لم يعد التوازن إليه؟!
تحتاج الأم- المرأة أن نقدم لها وردة وكلمة طيبة في عيدها. ولكننا نحتاج نحن أكثر أن نقدم هذه الوردة وتلك الكلمة الطيبة. ونحتاج لواقع نحترم فيه الأم حقاً وفعلاً، في القانون والمؤسسة، في البيت والشارع، في العمل والمحكمة.. نحترمها إنساناً مواطناً مساوياً في الحقوق.
نحتاج إذن لتغيرات جذرية في الكثير من القوانين التي ما زالت تعدها- الآن في أوائل الألفية الثالثة- كائناً من الدرجة الثالثة، أياً كانت إشادتنا الإنشائية (بمعجزته)! نحتاج إلى قواعد سلوك،وسلوك مختلف في المؤسسات يعاملها على قدر المساواة مع الرجل وتأخذ بالحسبان عملها (الإضافي) في الأمومة. نحتاج إلى إلغاء لا رجعة فيه لكل الأوامر الإدارية الدائمة التي تجعل من المرأة- الأم تابعاً مطلقاً للرجل. نحتاج إلى سلوك يومي مع أمهاتنا وزوجاتنا وأخواتنا في منازلنا يعتمد فعلاً، وإن بصعوبة ومشقة، أقصى حد ممكن من الندية وتقاسم الأعمال..
وحينها، حين تصير الأم- المرأة مواطناً مساوياً في الحقوق للرجل- الأب، حين نخرج من السجن الذي وضعنا الأم، ووضعنا أنفسنا فيه، يمكننا أن نحتفل بعيد الأم، وعيد المرأة وأعياد المظلومين الأخرى جميعاً، دون أن يجللنا الخداع.