من بين نواقص كثيرة تلازمني كظلي، هناك نقيصة تريح بالي راحة أحسد نفسي عليها أحياناً. هي أن ذاكرتي التاريخية معطوبة. إذ سرعان ما يختلط علي حدث قرأته في رواية بادثة عشتها! ويختلط علي ما قالته لي زوجتي با سمعته من التلفاز!
ولأنها كذلك، لا أستطيع أن أجزم إن كانت هذه هي المرة الأولى التي يرفض فيها الحاكم العرفي، أي وزير الداخلية، تصديق حكم أصدرته محكمة أمن الدولة العليا، أم لا.
إلا أن ذلك لم ينتقص إطلاقاً من البهجة التي أثارها عدم التصديق هذا من الصاحب الوحيد لحق رفض حكم هذه المحكمة الاستثنائية، أو تشديده، أو تخفيفه، أو تصديقه. الأمر الذي أعطى الشابين مهند الدبس ومحمد عرب حريتهما التي افتقداها بعضاً من الوقت! وأعطانا إحساساً جديداً لم يسبق لنا أن شعرنا به.
فالعفو شيء، ورفض تصديق حكم شيء آخر. العفو يقر بجريمة المحكوم ويدينه ومن ثم (يرأف) به. أما رفض التصديق هذا فهو إقرار ببراءة المتهم. وإحقاق لحقه بإشهار هذه البراءة. إقرار بأن ما فعله الطالبان لم يخرج عن إطار القانون، ولا عن إطار حقهما في مناقشة مستقبلهما. ولا عن إطار حقنا في التعبير وفق ما صانه لنا الدستور.
لكن ما ينتقص من هذه البهجة أن هذه المحكمة الاستثنائية ما تزال قائمة على رأس عملها! وما تزال كل أحكامها التي أصدرتها بحق الكثيرين سارية المفعول، أو أن آثارها ما تزال سارية!
ما يزال الكثيرون يعانون أحكامها القاسية التي لا تنطبق عليها أصول المحاكمات ولا تتبع وزارة العدل. وما يزالون يعانون التجريد المدني. وما زالوا مضطرين للمزيد من الإذلال لإعادة الاعتبار إليهم.
لماذا تستمر هذه المأساة في الوقت الذي نحن فيه أحوج ما نكون لنقف حقاً، بكل حرية وقوة أمام كل هذه الصعاب التي تواجه بلدنا؟ وكيف لنا أن نفعل ذلك إذا كانت هذه المحكمة ما تزال تشهر سيفها فوق رؤوسنا؟ كيف لنا أن نضمن أننا لن نمض هذه المدة أو تلك قبل أن يصدر الحكم؟ وكيف لنا أن نضمن أن هذا الحكم لن يصادق عليه في المرة القادمة؟
إنه القضاء المدني العادي. القضاء الوحيد الذي يجب أن تكون سلطته فوق كل سلطة. ويجب أن تكون أي مخالفة للنظام العام، أو لهذا القانون أو ذاك، من صلاحياته وحده حصراً. القضاء الذي قد يخطئ، وقد يظلم، لكنه عقدنا الاجتماعي بقبوله وطاعته. عقدنا أنه، حتى بنواقصه وفساده، هو الوحيد صاحب السلطة في حياتنا.
لم تتوان (النور) عن إثارة هذا الأمر، والمطالبة بضرورة إلغاء هذه المحكمة، مرات ومرات.. ولم تتوان عن التأكيد دائماً أن مواجهة التحديات الخارجية تستند أساساً إلى قوة (بيتنا الداخلي)..
بيتنا الذي ليس لنا غيره.. لا في أوربا.. ولا في أمريكا.. ولا حتى في المريخ..