كلما ناقشت مع أحد من أصدقائي أنني أنوي أن أكتب منتقداً هذا الأمر أو ذاك، ما لم يكن انتقادي موجهاً إلى جهات رسمية، سمعت الأسطوانة التالية: ولكنك تصب في خانة..! خانة ماذا؟! يتغير الأمر بتغير الموضوع الذي أنوي انتقاده! فمرة تكون خانة النظام، وثانية تكون في خانة الأصوليين، وثالثة تكون في خانة أمريكا، ورابعة.. وخامسة..! حتى بدا لي أن الانتقاد الذي لا يصب في خانة الإمبريالية وأعداء الشعب والأصوليين والمتآمرين والرجعيين والمتخلفين و.. هو فقط الانتقاد الموجه للجهات الرسمية على اختلاف أسمائها!
وتتحمل هذه الجهات قسطاً وافراً من مسؤولية هذه (الكليشة). فهي قد أنجزت الكثير الكثير في فسادها وخللها وتخلفها وضيق أفقها و.. حتى صار طبيعياً أن يتوارد إلى ذهننا على الدوام، أنها المسؤول الأول والأخير عن كل ما هو خطأ ومتخلف في حياتنا!
حدث الأمر ذاته في مرات كثيرة، كان آخرها نقاشي مع بعض الأصدقاء والصديقات حول معرض الفنان السوري يوسف عبدلكي. فعبدلكي كان قد تحول منذ زمن ليس بالقصير إلى نوع من رمز مفعم بالكثير مما نحب حبَّ المراهق (على الهامش: هذا هو الحب الوحيد الذي يستحق هذه التسمية). أي الكثير من انفعالاتنا وطموحاتنا وأحلامنا ورغباتنا السرية والمبهمة وغير القابلة للترجمة بكلمات أو إشارات. وعبدلكي الذي فرّ مبكراً من واقع مترع بالقمع غير المقنون، وشبه المقنون، والمقنون، أتقن غيابه القسري ذاك، وأتقنا تحويله إلى شبه إيقونة.
على مدى ربع قرن غاب يوسف عبدلكي، وحضرت لوحاته في بعض الصحف، ومعارضه، وخاصة روحه التي اخترقت باكراً، ليس الواقع المغلق وحسب، بل أيضاً الخطوط المغلقة والمنتهية التي تحدد ما هو فنٌّ وما هو ليس كذلك. وفاجأنا دائماً، نحن الذين على أهبة الاستعداد دائماً لنتفاجأ، بخطوط وألوان وأفكار لم نكن قد حضرنا روحنا لها.
واليوم، أقصد مساء يوم الجمعة الماضي، لم يتخلف عبدلكي عن مفاجأتنا مرة أخرى، بحضوره الجسدي هذه المرة، وبطريقة مختلفة جداً! أجرؤ، بعد تردد طويل وخوف حقيقي، أن أسميها مفاجأة محبطة!
لا تؤاخذوني. فأنا أعبر تماماً عما شعرت به، وبطريقة محض شخصية: مفاجأة محبطة!
المعرض الأول الذي يقيمه يوسف عبدلكي بعد ربع قرن من غيابه، وليس الذي يقيمه الآخرون له، كان احتفالية مزركشة. تماماً مثلما كان استقباله في مطار دمشق الدولي احتفالية مزركشة. شخصيات من مختلف الجهات والآراء والأطياف والأعمال والاهتمامات، مسؤولون وفنانون وكتاب وشعراء وطلاب وربات بيوت وعاطلون عن العمل و.. جميعهم التقوا في البهو الواسع لخان أسعد باشا بدمشق حيث علقت لوحات عبدلكي ال.. ال... ماذا؟! لا أعرف ماذا أقول! فهذه بالضبط هي قصة الإحباط الشديد الذي دفعني إلى مغادرة المعرض برأس يكاد يتصدع! وألم في روحي!
لوحات كبيرة بقلم الفحم علقت على مساحات بيضاء واسعة بديكور جميل حقاً. ولم أكن يوماً من الأيام ناقداً تشكيلياً. وليس لدي من معطيات هذا النقد وأدواته سوى عامل واحد: إحساسي الشخصي. وكأي إحساس شخصي آخر هو إحساس ناقص، عفوي، غير قابل للقياس. رغم أنني دأبت طويلاً على الاحتفاظ بحد معقول من متابعة تنمية هذا الإحساس. وساعدتني كثيراً مجلة الفنون التشكيلية التي قدمت طوال سنين (ليست السنين الأخيرة منها) دراسات ومقالات وتحليلات يمكن للإنسان العادي مثلي أن يفهمها كما يمكن للمختص أن يستفيد منها.
لنعد إلى اللوحات. لوحات كبيرة بقلم الفحم، مشغولة بمهارة. وعلى حد تعبير أحد أصدقائي: (بكثير من الحرفية والأكاديمية). ربما كانت كذلك. لكنني، للأسف، لم أر سوى الكثير من الأسماك، ورؤوس الأسماك، والجماجم، وأجزاء الجماجم، والآنية المنزلية، وحذاء! وربما لوحتين أو ثلاث خارج هذا السياق! وجميعها من القياس الكبير وبقلم الفحم! ولأنني لست مختصاً بقلم الفحم، ولا بالفن التشكيلي عموماً، فشلت فشلاً ذريعاً في التواصل مع هذه اللوحات! وخجلت من نفسي خجلاً شديداً! حتى إن قهقهاتي المرتفعة أصلاً ازدادت ارتفاعاً لتغطي خجلي ذاك! ونظرت حولي إلى الناس المكتظين في بهو خان أسعد باشا، فلاحظت (ربما ملاحظة اللاهي لأماكن اللهو في مدينة ورعة) أن جلّ الحاضرين مشغولون ببعضهم بعضاً، وقلة قليلة التي ركزت أنظارها على اللوحات!
لماذا فعلت ذلك يا يوسف؟! لماذا فعلت ذلك في معرضك الأول بعد كل هذا الغياب؟! ألم يكن في إمكانك أن تأخذنا بالحسبان، نحن الناس العاديون غير المختصين، والمتشوقين حقاً لرؤية أعمالك بحضورك؟! ألم نستحق، برأيك، قليلاً من العناية بأن تختار من أعمالك ما يجعلنا نتأمل وجهك الكبير، ونسلم على أصدقاء لم نلتقيهم منذ وقت طويل، ونتأمل قليلاً في أرواحنا المنطلقة على قماشك أو كرتونك؟! بدلاً من أن نعجز عن تأمل كل هذه الرؤوس المقطوعة للسمك، وكل هذه الجماجم؟!