فشلتُ فشلاً ذريعاً في إقناع العزيز نصر الشيخ علي، مخرج »النور« والكثير من المطبوعات المحلية وغير المحلية، أن يتراجع عن قراره المصيري بالزواج! رغم الكثير من الأحاديث والجمل التي تقال على أنها »سقطت سهواً« و»التنقيرات ع الرايح والجاي«.. وحين ملّ من ذلك، حدّق في عيني وقال: أنتم فعلتموها وتنصحوننا بأن لا نفعلها! يا أخي أريد أن أفعلها لأنصح غيري مثلكم!
وفعلَها!
حقاً إنها معضلة! إذ القلة القليلة، هذا إن وجدت، هي التي تشيد بالزواج بعد أن تتزوج، والجماهير الساحقة من المتزوجين يتأففون مما هم فيه! رغم أن الأمر لم يكن كذلك قبل بضعة عقود فقط! فما الذي جرى؟ هل تغيرت طبيعة الزواج نفسه؟ أم تغيرت طبيعة المتزوجين؟ أم...
ربما كان كل ذلك، لكن ما أظنه هو أن التغيير الأهم قائم في طبيعة العلاقات بين الرجل والمرأة، وهي تغيرات في صميم هذه العلاقة. إذ لم يعد من الممكن للمرأة أن تعيش خلف زوجها ببضع خطوات! ولم يعد ممكناً أن تتفرغ للعمل المنزلي، ولم يعد الرجل قادراً على تأمين حياة كريمة ووقت مناسب يقضيه مع أسرته في آن. ولم يعد القرار في شؤون الأسرة وتربيتها ودورها في محيطها ومستقبلها.. هو قرار الرجل فقط! حتى تفاصيل الحياة اليومية تغيرت تغيراً شديداً. دخلت السجادة والبراد والغسالة والتلفاز.. صار الأطفال مجبرين على الالتحاق بالتعليم الإلزامي.. لم يعد العمل مؤمّناً مسبقاً في ملكية الأهل سواء كانت أرضاً زراعية أو ورشة.
ومع كل هذه التغيرات.. بقيت آليات العلاقة بين الرجل والمرأة، في المؤسسات والقوانين والمجتمع والبيت، كما كانت من قبل: تمييز صارخ أو ضمني، واستلاب فعلي لكرامة المرأة واستنزاف تام لطاقات الرجل، دون أن يقدم المجتمع »حكومياً وغير حكومي« على مدِّ يد العون لإعادة صياغة هذه العلاقة من جديد.
من نافل القول إن إعادة صياغة هذه العلاقة ليست قراراً يتخذ فينفذ، ولا معادلة حسابية بسيطة تعمم فتحفظ عن ظهر قلب! لكنها جملة متكاملة من الوسائل والآليات التي تعيد هذه الصياغة.
توفير قوانين تلغي التمييز التاريخي هو واحد منها، إقرار ضوابط مؤسسية تمنع تهميش المرأة هو واحد آخر، تأمين دور حضانة مناسبة من حيث العدد والسعر وأوقات دوامها هو واحد ثالث.. تأمين مطاعم رخيصة ومغاسل عامة و... وأول وأهم من كل ذلك، تأمين عمل يترك للرجل والمرأة على حد سواء وقتاً كافياً ليختلفوا على ملح الطعام دون أن يصلوا بذلك إلى حدود الطلاق.
مع ذلك، فعلها نصر، ربما كان محقاً! لكن بالتأكيد، أتمنى من كل قلبي أن ينجح في اختراق هذه الصورة، وأن يمدّ لنا لسانه بعد فترة قائلاً: أنتم أسأتم التصرف.