كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

الصمت شيطان طليق
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow درس في التعبير!
درس في التعبير! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

حين قرأت المواد السبع والستين اللواتي طلبت القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي من أجهزة الأمن أن تتكرم بالتنازل عن طلب موافقتها عليها، بدا لي أن بطني يرتج كما لو أن تسانومي يدق جدرانه! وخفت أن أنفجر إن أنا بقيت مغلقاً فمي. ففتحته لينداح طوفان من الضحك الأسود ملوثاً كل شيء يمر بطريقه: الطاولة المزدحمة بالفوضى، والسجادة العتيقة، والحديقة المهملة، والحارة المنسية، والمدينة التي فقدت هويتها وفشلت في اكتساب هوية جديدة!


واكتشفت، فيما اكتشفت، أنني حقاً واحد من (الحاقدين الموتورين)، وفق ما قاله وكرره لي رجال أمن أكثر من أن أعدهم، الذين لا هم لهم إلا (الإساءة) إلى هذا البلد العظيم!
في الحقيقة فإن (الشباب) كانوا مخطئين خطأ فادحاً في اتهامهم ذاك لي. فالحاقد الموتور هو حكماً شخص ذكي قادر على المحاكمة. أي قادر على قياس المعطيات وتحليلها وتركيبها وبناء العلاقات فيما بينها.. إلا أنني، للأسف، لا أتمتع بشيء من هذه الإمكانات! هذا، على الأقل، ما اكتشفته وأنا أقرأ المواد السبع والستين تلك!
فمثلاً: لقد فشلت فشلاً ذريعاً في أن أفهم لماذا (القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي) هي التي وجهت؟ إذ اعتقدت، بدماغي الذي بني أولاً بفكر حزب البعث العربي الاشتراكي قبل أن تلوثه الأفكار الهدامة من كل حدب وصوب، اعتقدت أن الأمن هو جزء من السلطة التنفيذية. وأن السلطة التنفيذية في أية دولة كانت، قديمة أم حديثة، تتلقى أوامرها من أعلى جهاز تنفيذي فيها، أي من رئاسة مجلس الوزراء! أو من رئيس البلاد عبر رئاسة مجلس الوزراء!
في تلك اللحظة المشهودة اكتشفت أي جهل عشت فيه! إذ إنني لم أستطع أن أصدق، للوهلة الأولى، أن (منح إذن بالإقامة خارج القطر بقصد الإقامة أو الزيارة لأسر الموظفين المتوفين) كانت تحتاج إلى موافقة أمنية! ولا (الموافقة على إقامة الندوات الطبية والدعائية للتعريف بمنتجات الشركات)! و(تجميع جزارين وعمال وسائقين للحج والعمرة)! و(طباعة النايلون للمنشآت الصناعية والبروشورات واللواصق التجارية للشركات)! و(الترخيص لجليسات الاطفال)! و(الترخيص لمحل نوفوتيه)! و...
ولكنني أكذب! فأنا أعرف، كغيري من (مواطني) هذا البلد، أنه في ظل حالة طوارئ تستمر إلى مالانهاية، يصير كل شيء بحاجة إلى موافقة أمنية. سواء كان مسجلاً في اللوائح أم لا! هذه هي طبيعة الأمور. فقانون الطوارئ للطوارئ. وحين تستمر (الطوارئ) كل هذا الزمن الطويل، تصير هي القاعدة وتفقد (طارئيتها)!
ما خرب إمكانيتي على المحاكمة العقلية هو أنني حلمت، طوال الأيام الطويلة التي جرى تداول الخبر فيها، خبر أن لائحة ستصدر لتضيّق من تدخلات هذه الأجهزة في حياتنا اليومية، حلمت أن اللائحة ستكون طويلة بحق، وجوهرية بحق! حتى إنني صرت محط سخرية أصدقاء كثر وأنا أحاول أن أخترع المبرر تلو المبرر (لتفاؤلي) ذاك! ولم أكن أعرف أنني، باختراعاتي تلك، أحضر البنية التحتية لانهياري التام وأنا أقرأ تلك اللائحة الشهيرة!
هذا غير معقول يا جماعة! غير معقول بإطلاق! رغم أنف يعرب العيسى الذي ما انفك يسخر من (بإطلاق، وحكماً، وبالتأكيد..) اللواتي أستخدمهن أكثر مما أستخدم أحرف العطف (وأدعي أنني ديمقراطي)! هذا غير معقول! ولا يمكن لعاقل أن يفسر هذه اللائحة تفسيراً طيباً دون أن يستحق زيارة طويلة الأمد في (ابن سينا)!
مَن الذي كتب هذه اللائحة؟ هل نال حقاً أكثر من علامة صفر في مادة التعبير؟! ألم يتعلم يوماً أن تفصيل ما لا يفصّل هو انتهاك لجسد النص وروحه؟! ألم تضربه آنسته ذات يوم وتؤكد له أن النافل هو انتقاص من المتن؟! يبدو أنه لم يتعرض لذلك! بدليل أن اللائحة تتضمن 67 مادة هي، في الحقيقة، أقل من خمس وعشرين مادة تم تفكيكها وإعادة تفكيكها مرات ومرات حتى صارت بهذا الرقم! بل أجزم القول إنها أقل من مادة واحدة كان يجب أن تصدر وتنص على: ترفع حالة الطوارئ من البلاد وتلغى جميع الأحكام العرفية المستندة إليه.
إذا كنتم لا تصدقون فاقرؤوا: المادة 47- الترخيص لمحل كمبوتر. والمادة 55 الترخيص لفيديو سي دي! أو اقرؤوا: المادة 61- الترخيص لفرن خبز، والمادة 62- الترخيص لفرن صفيحة ومعجنات! أو اقرؤوا: المادة 32- الترخيص لمكتب سياحة وسفر، والمادة 33 - الترخيص لمكتب قطع تذاكر سفر! أو اقرؤوا: المادة 39 - الترخيص لمدرسة تعليم وقيادة وإصلاح المركبات والآليات، والمادة 40 - الترخيص لمعهد تدريب على الحرف والمهن! أو اقرؤوا....
بربكم، كم درجة على سلم من مئة درجة تمنحون من صاغ هذه اللائحة؟! وهل تبررون لي الآن تسونامي الضحك الأسود الذي مرمر يومي؟!
ذات يوم كان خليل، صديقي، في أحد (المصائف) الكثيرة في بلدنا! وهو شاب كردي (يعكّ) كثيراً في التعبير باللغة العربية. بل في بنيتها. وكان (يحق) له أن يزوره أقارب الدرجة الأولى فقط، مرة في الشهر. يلتقيهم في صالة كبيرة مقسومة بشبكين يفصل بينهما نحو متر من المساحة المليئة برجال الشرطة، خوفاً من أن يهرّب شيئاً من داخل السجن إلى خارجه (هذه ليست غلطة مطبعية، نعم من داخل السجن إلى خارجه وليس العكس)! ولم يكن لدى صديقي من يزوره سوى زوجته وابنته. وكلما أتتا لزيارته، وعاد منهكا من الشوق الهدام، كان يجيب على السؤال التقليدي: من زارك يا خليل؟! فيقول: والله.. جاءت يارا.. و.. أم يارا... و.. ابنتي.. وزوجتي.. وصباح.. وابنة صباح.. وهؤلاء جميعاً هن: زوجته وابنته فقط لا غير!  

*- جريدة "النور"- العدد (201)-  8/6/2005

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS