لم يفاجئني شيء في الصحافة المحلية منذ عقود قدر ما فاجأني اعتذار د. خلف الجراد، رئيس تحرير الزميلة (تشرين)، صباح يوم الاثنين الماضي، مكان زاوية قوس قزح! وهو الاعتذار الذي يوضح فيه ملابسات السلسلة التي كتبها الزميل نبيل صالح في زاوية قوس قزح. وهي سلسلة تحكي حكايات ريفي في رحلته غير الموفقة إلى المدينة. ويحلل فيها بأسلوبه الساخر أوجهاً عدة لواقع الحال، خاصة الفساد المستشري في البلد.
بطل هذه السلسلة يمرّ بتحولات قسرية في رحلته المضطربة تلك. ونبيل صالح يغير الاسم من مرحلة إلى أخرى بما يناسب التغير الذي يطرأ على البطل. وفي (تحول) من تلك يصير اسم البطل (فدعوس)!
ورغم أنني لا أضع الزميل صالح في (ذمتي)، فهو أشد ذكاء وأكثر (ملعنة) من أن أستطيع ضمانه بأية كلمة يكتبها، إلا أنني عجزت عجزاً مطلقاً عن فهم المشكلة التي أثارها النائب في مجلس الشعب السوري السيد محمد الفدعوس حول مصادفة تطابق نسبته، دون (ال) التعريف، مع اسم البطل في إحدى تحولاته! فبدأت سلسلة من الاحتجاجات في أروقة مجلس الشعب، وضغوط مختلفة و.. لمعاقبة الزميل صالح! ورغم تدخل (الوجاهات) لم يفلح أحد في إقناع النائب أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد مصادفة! وأن الأمر لا يستحق التوقف عنده أصلاً! وعلى حد علمي القاصر، لم يحاول أحد أن يقنعه بحق الصحافة والصحفيين في قول ما يرونه مناسباً دون التوقف عند هذا المستوى من (المحاذير)!
المهم، بلا طول سيرة، لم يدر بذهني للحظة واحدة أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه! أي أن يقوم رئيس تحرير الزميلة (تشرين) على توضيح علني في مكان الزاوية التي نشر فيها المسلسل! والمدهش ليس التوضيح. فالتوضيح قد يكون كرم أخلاق من الجريدة ورئيس تحريرها، وبادرة طيبة منهما. إلا أن قراءة متمعنة للتوضيح تكشف أنه اعتذار في الحقيقة وليس توضيحاً! وهو ما يقوله القسم الأخير من المادة. إذ يعتذر د. الجراد باسم أسرة التحرير من رئيس مجلس الشعب، ومجلس الشعب، والنائب محمد الفدعوس وعائلته الكريمة!
هل هذا معقول؟ هل تتطلب مراضاة شخص واحد، حتى لو كان عضو مجلس شعب، كل هذا؟! بل وشخص أخطأ هو في فهم مقالة في جريدة؟! ولماذا لم يلجأ النائب إلى القضاء إذا كان يعتقد أن المسألة تتعلق بتعريض به أو بعائلته؟! ولماذا لجأ رئيس التحرير إلى هذه السابقة في الوقت الذي نعرف فيه أن عدداً كبيراً من الزملاء، وقد يكون من بينهم د. الجراد شخصياً بصفته رئيس تحرير، تلاحقهم دعاوى مختلفة؟! ونبيل صالح شخصياً لاحقته القضايا في المحاكم أكثر مما لاحقته الصبايا ذات يوم!
أية ضغوط مورست على رئيس التحرير؟! ومَن مارس هذه الضغوط التي وصلت، كما سمعنا، إلى حد التهديد المكشوف للكاتب؟! وكيف يحدث هذا؟! كيف يتمكن شخص، أي شخص، من أن يصل (بقوته) وحضوره إلى هذه الدرجة؟!
ما الذي سنقوله بعد اليوم؟! إذا كان صحفي معروف ومشهور كنبيل صالح اضطر إلى إيقاف زاويته، واضطر رئيس تحرير جريدة حكومية نشرت فيها الزاوية، إلى تقديم هذا الاعتذار- التوضيح، فما الذي سيحل بصحفيين من (عياري)؟!