كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
بيان رقم (1) طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

  لا عليك!
قد يمكن للحب أن يغادرنا مرة واحدة إلى الأبد. فنفيق كل صباح هياكل فارغة مشوهة لا تدري أهو صباح أم مساء! ولا تعرف إن كانت تلك التكات على الحائط لزمن يأتي.. أم يمضي! وتغيب عنها الألوان فإذا العالم كله مساحة من الرماد البارد والميت وعديم الرائحة! ويمد يديه ليغسل وجهه فإذا الوجه نسخة أخرى! فينظر إلى السرير، حيث كان، وحيث سيعود، فإذا هو حفرة مفتوحة بلا قعر ولا حافّة!


لا عليك!
قد يمكن للفقر أن يتلبسنا. فلا يمكن التمييز مَن منا لباس الآخر! من منا الطارئ ومَن الثابت! مَن يُنسب إلى مَن! ثم نقف على حافة البكاء ونحن ننظر إلى رغيف خبز يعبق في خشومنا، وقميص يرفرف في أعيننا، وكتاب يومئ لنا! فلا نتملك القدرة على مدّ أيدينا القاصرة، ولا القدرة على تحريك أرجلنا ابتعاداً قسرياً! وتصعد الدمعة في حلوقنا صارخة. إلا أن صوتاً لا يصدر، وأحداً لا يسمع! ونقرص جلودنا عسى أن يكون كابوساً. فإذا الجلود لا تحمر، والألم يتصاعد دون ألمٍ، والأصابع تتفتت!
لا عليك!
قد يمكن لقانون طوارئ، لم يشبع من طارئيته بعد أكثر من أربعين عاماً، أن يتحول كحرباء سامة، ويتعضى كفيروس متحول، في القوانين (المدنية). فيصير اللقاء جريمة، والنقاش جريمة، والرأي جريمة، وجريمة الجرائم أن يعلن الرأي! ثم نحني رؤوسنا أمام منصاتٍ حسبنا أنها ملجؤنا الأخير! فإذا بها قفص الدجاج الخيزراني الذي يعيد تشكيل رؤوسنا وأجسادنا لتصير كروية لا ترى العين منها سوى القدم، ولا تطول القدم أن تدوس سوى العين! ويصير سقفنا هو كل فضائنا. وحلمنا هو بضع حبات متعفنة وقطرة ماء آسن!
لا عليك!
قد يمكن لثاني أكسيد القهر أن يصير الهواء الذي نتنفسه، فيتغلغل في جنبات رئاتنا ساداً ما يمكنه سده منها، ومدمراً ما يعصي عليه، ومشوهاً ما تبقى. وإذ نبحث عن كتف يسندنا لا نجد سوى الحجارة الكلسية! وإذ نشتهي حضناً يدفئنا لا نجد سوى شظايا الصوان! ونتذكر، ونحاول أن نتذكر، فإذا الذاكرة صورة ممسوخة مكررة بلا بداية ولا نهاية!
لا عليك!
قد يمكن لكل ذلك أن يصيرَ. مُحقِقاً، مرة أخرى، نبوءة الدجال (جورج أورويل) العميل مرة، والماسوني مرة أخرى، ومعادي الشيوعية دائماً، واللعين الذي رصدنا في آخر محطات إنسانيتنا ونحن نبكي أنه مر يوم في حياتنا لم نحب فيه طاغية الطغاة!
لكن، لن يستطيع أحد أن يسلب مما تبقى من نبضات قلبي أن هذا بلدي. بلدي أنا. ليس بلد أجدادي أولاً، ولا بلد أولادي أولاً. بل بلدي أنا الذي أعيش فيه الآن، وهنا. وعشت فيه البارحة، وسأبقى غداً. لن يستطيع أحد أن يوقف تحولاتي المستمرة إلى ماء يتسرب في كل شقوق الصخر حتى يفتته، وباروداً ينفجر في وجه السدود كلها حتى يمحيها. لن يستطيع أحد، أياً كان، ومهما كانت أدواته، أن يمنع قدمي ويدي وعيني ولساني من أن تمضي، كخلد وأفعى ونحلة وفراشة، في بناء عالمي جدير بي: عالم الحرية.  

*- جريدة "النور"- العدد (210)-  10/8/2005

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS