... والحرية، وليسمح لي السامحون، ليست سوى حريتي.
حريتي.. أي أن أولد في بيت لا أرمى خارجه كلما عنّ على بال المؤجر أن يحصّل إيجاراً أعلى لا أستطيع دفعه! بيت لا تقتحمه أشباح الفجر كلما عنّ لها! ولا يحق لأحد، لأحد أيا كان، أن يفتح رسائلي قبل أن تصل إليه، أو بعيد أن تخرج منه! ولا أسمع فيه طنين التجسس كلما رفعت سماعة هاتفي! ولا تحفظ، في مكان غير سري، نسخة من بريدي الإلكتروني الصادر عن، والوارد إلى كمبيوتر يقبع في إحدى زواياه!
بيت لا يأتي إليه موظف الكهرباء مجبراً على التذلل لأرشوه ما يكفيه شراء خبزٍ لأولاده! ولا يأتي إليه رئيس البلدية ليفاوضني على كم تساوي هذه (المخالفة) رسمياً، وكم تساوي تحت الطاولة! ولا يأتي إليه جار مدعوم ليرمي قمامته أمام بابه وهو يكشّر مبتسماً! ولا أضطر لقفله بأقفال متعددة كل مساء!
حريتي.. أي أن أتعلم في مدارس لا تشبه الحظائر، وهي تحشر عشراتٍ مثلي في مقاعد متهالكة.. وترفع أسواراً بيتونية تعلوها أسوار حديدية وأقفال حديدية تركية.. وتُضبط بقوانين تحلو أمام بعضها قوانين (الدورة) في الخدمة الإلزامية! وتجبرني، بألف وسيلة ووسيلة، على أن أكون (طليعياً)! ثم (شبيبياً)! ثم (بعثياً)!
مدارس بمناهج لا تعلمني أن وظيفة أبي أن يعمل، ووظيفة أمي أن تطبخ! ولا تعمل على مسح تلافيف مخي تاركة سطح مرآة أكلتها الرطوبة! مناهج لا تجبرني على الاعتراف أن هذا وطني، دون أن تعلمني ماذا يعني هذا! ولا تحاسبني، وتعاقبني، وقد تطردني إذا تساءلت: كيف أكون مواطناً في وطني!
مدارس بمعلمين لم يجوَّعوا بعد أن كانوا رسلاً! ولم تدس هيبتهم الوساطات! ولا تقرر مصيرهم التقارير التي يكتبها زعران! ولا يسودهم مدير لا ينقصه سوى عصا الجنرالية!
حريتي.. أي أن أضمن فرصة الحصول على عمل يناسب كفاءتي. لا كفاءة أصولي الدموية، ولا كفاءة انتمائي الحزبي، ولا كفاءة رنين جيبي، ولا كفاءة جسدي في فراش المدير العام! عمل لا أفصل منه لأنني لا أرتشي! ولا أنفى فيه إذا (لقطت) سرقة ما! ولا يكون من حق أحد، لا يكون من حق أحد أن يفصلني منه بقرار لا يخضع لمراجعة القضاء!
حريتي.. أي أن أخضع لقانون لا تسيّره المكاتب الخفية التي يعرفها الجميع، وفقاً لرغباتها ومصالحها. ولا ينتمي إلى عصور لم يعد لها في حياتي سوى حبر كتب التاريخ. ولا يسوّر بهالات تخرجه من أن يكون لخدمة حياتي، وتصيّره إلهاً يستمتع بجري إلى الوراء!
حريتي.. أي أن يكون لي حصة في صنع قرار بلدي لا يقررها أصحاب الشعارات ولا أصحاب الكراسي ولا أصحاب العصي الغليظة والقبعات البرونزية الكريهة! حصة يمكنني فيها أن أترشح في أي انتخابات كانت دون أن يخضع ترشيحي لموافقة حزب بعينه! ويمكنني فيها أن أعلن وأنشر البيان الانتخابي الذي أراه مناسباً! وأن أشتكي على المحافظ إذا اعتقدت أنه أخطأ أو زوّر أو تلاعب بالانتخابات دون أن ترد المحكمة الدستورية دعواي بحجة أن المحافظ، أو أية جهة أخرى، ليس صاحب مصلحة، ولا يمكن الادعاء عليه في هذا الأمر!
حريتي.. أي أن أفكر بما هو أصلح لي، ولأسرتي، ولأصدقائي، ولحارتي، ولمدينتي، ولبلدي! وأقول ما أفكر به علناً. وأجتمع مع من أرغب في الاجتماع به. وأناقش، مع من أرغب، ما أرغب في نقاشه. وأتظاهر ضد ما أشعر بضرورة التظاهر ضده. وأخرج في مسيرة مع من يهمني دعمه! وأعتصم احتجاجاً على هذا الأمر! أو اتفاقاً مع ذاك الأمر! ولا تسبقني شرطة مكافحة الشغب لتمنعني عن كل ذلك، قبل أن يأتي من هو أشد منها ليرميني في زنزانة لا يحق لمحامٍ دخولها، ولا لهيئة حقوق إنسان!
حريتي.. أي أن أشكل الجمعية التي أريد تحت سقف قانون عصري مدني ومستقل.. دون أن يكون لأدراج هذه الوزارة أو تلك أن تقرر تعفن طلبي في ظلماتها! وأن أعمل في هذه الجمعية ما أراه مناسباً ضمن قوانينها.. وأشارك في عملي من أراه مناسباً.. وبالطريقة التي أراها مناسبة.. دون أن يكون لجهة، أي جهة غير قضاء مدني مستقل ونزيه، حق التدخل في عملي ومصادرته!
حريتي.. أي أن أحب من يميل قلبي إليها، وتحبني من يميل قلبها إلي، ونتشارك حياتنا كما يحلو لنا. دون أن تتمكن قوانين العشائر والطوائف والأديان من أن تحز السكين على رقبتي ورقبتها! ودون أن يكون هاجسي الأول إن كانت موظفة أم لا! ودون أن أحبها خشية قضاء ما تبقى من العمر وحيداً!
حريتي.. أي أن أكون مواطناً وفق أحدث مفاهيم المواطنة أكثرها عصرية. لا وفق تصور هذا أو ذاك، هذا الحزب أو ذاك، هذه الجهة أو تلك.. للمواطنية!
هذه هي حريتي.. وهذا هو عالمي الذي سيكون..
نعم.. هذا هو عالمي الذي أصير ماء.. وأصير صواناً.. ليكون..