كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow إعلام.. ومؤسساتية
إعلام.. ومؤسساتية طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

أما الإعلام، فأنتم تعرفونه جيداً. فهو ذلك المجال الذي يستطيع المرء فيه (أو المجموعة أو الحزب أو الحكومة..) أن تقول ما تشاء، فيصل قولها إلى عدد كبير من (المجاهيل). أي أولئك الذي لا يعرفهم صاحب القول، ولا يعرف عن أفكارهم وآرائهم ونفسياتهم و.. إلا صورة عامة ضبابية يفترضها هو، ثم يعمل ما يعمل بناء على ما افترضه.

 وبناءً على افتراضه هذا، يضمّن قوله أفكاراً معينة، ويصيغها بأساليب وأشكال معينة، ويفترض أنه بذلك إنما يصير (نائباً) عن هؤلاء القراء غير المساكين، الذين يستطيعون أن يخربوا بيته في ليلة وضحاها. إذ يكفي أن يتوقفوا عن متابعة هذه الوسيلة الإعلامية حتى تسقط في.. العدم. وتندرج في ذلك جميع أشكال الإعلام، من التلفاز إلى الإذاعة إلى الصحف الورقية إلى الإعلام الإلكتروني الجديد (الإنترنت).
إلا أن للإنترنت ميزة عزّ على بعضهم فهمها. وهي أنه ديمقراطي بطبيعته. بل ديمقراطي بمستوى تجاوز كل تصورات (الديمقراطيين). وأعاد العالم، بشكل من الأشكال، إلى ديمقراطية أثينا. حيث كان لكل شخص أياً كان، أو كان رأيه أو منطقه أو مستواه العقلي والفكري..، أن يقول رأيه مباشرة ويسمِعه للجميع. وتتوقف الحياة في هذا العالم على مجرد.. كليك! أي ذلك الصوت الذي تصدره فأرة الكمبيوتر حين النقر عليها. فنقرة واحدة على زاوية شاشة الكمبيوتر، أي زر الإغلاق، تنقل الصفحة المرئية، والموقع الذي يتضمنها، تنقل هذه الصفحة، وذاك الموقع، إلى العدم! ونقرة واحدة مختلفة، على أيقونة تتضمن أمراً بإضافة هذه الصفحة، أو الموقع الذي يتضمنها، إلى قائمة المواقع المفضلة لدى المستخدم، تقرر ولادة جديدة لهذه الصفحة وذلك الموقع!
الأمر ببساطة شديدة، أن القارئ هو حكم مطلق هنا. بل تسمو إرادته إلى مستوى تقرير حياة هذه الصفحة أو موتها. أي حياة هذا الكاتب أو ذاك أو موتهما!
وبهذه الروح التقدمية المفتوحة دائماً على التطور وعلى آفاق أوسع، يشكل هذا الإعلام نافذة حقيقية لجميع الناس كي تجس إمكاناتها وآفاقها. وتمنحها فرصة لتقول ما تريد قوله، بالأسلوب الذي تريده، تاركة للقارئ، وللمرة الأولى في التاريخ بهذا الاتساع، قرار القبول أو الرفض. ومانحة الموهوب مجالاً مفتوحاً، غير خاضع لأي رأي مسبق أو تصور محدود، ليتقدم.
هذه الديمقراطية الفائقة هي بالضبط ما فشل البعض في استيعابه. فشرع (يردح) نادباً تقاليد الصحافة الورقية! وأي صحافة ورقية؟ إنها صحافتنا الورقية!
يمكنكم أن تضحكوا حتى تطق خواصركم! وطبعاً لن تجدوا من يساعدكم على تجاوز هذه المحنة! (تقاليد صحافتنا الورقية) التي سال حبر كثير، من العاملين فيها قبل غيرهم، في كشف حقيقة أنها تقوم على الأوامر والمحسوبيات والعلاقات (المشبوهة)! وتنفي وتقصي من، وما لا يتفق معها! وهذا سلوك مورس على الجميع. وبضمنهم بعض هؤلاء (المتباكين) الذين حُرموا طويلاً من منافذ إعلامية لأقلامهم. بل لاقوا قلة احترام وتقدير كان له أثر جدي على تطورهم، وخاصة على انتشار اسمهم! قبل أن يجدوا فرصة لهم في هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك. فرصة لم يحسنوا، في بعض الحالات، استخدامها! بل عادوا، في حالات أخرى، إلى ممارسة الدور ذاته الذي سبق أن مورس ضدهم! متحولين، كما هي العادة في (تقاليدنا) في المجالات كافة، إلى عصي جديدة لا تختلف عن القديمة إلا في لونها وطولها والمادة المصنوعة منها!
وأما المؤسساتية، فهي تلك المفردة - المفهوم الذي انتشر في بلدنا انتشار النار في الهشيم. فلم يعد هناك مثقف واحد لا يستخدم هذه المفردة! بل يكاد الجميع يتفق على أنها حاجة ماسة للانتقال من عالم (الأوامر والمحسوبيات والعلاقات المشبوهة) إلى عالم من القوننة المرنة والقواعد الخلاقة.
وواحد من أهم ما يميز المؤسساتية، باختصار شديد، أنها تحقق معادلة متطورة لعلاقة الفرد مع المجموعة. فهي لا تقدس الفرد وتعليه على كل شيء. وهي أيضاً لا تسحقه وتمحوه. بل تقدم له إطاراً متكاملاً للعمل مع الآخرين بطريقة مبدعة يمكن له فيها استغلال إمكاناته، ويمكن له فيها الاستفادة القصوى من إمكانات الآخرين. ولذلك، يبرز الانتماء إلى المؤسسة عالياً في خصائص أفرادها، بدلاً من بروز الانتماء إلى هذا المسؤول أو ذاك، هذه الشلة أو تلك، أو حتى الانتماء إلى ذاته المتعالية المتضخمة! وهذا الانتماء يُشعر جميع أعضاء المؤسسة أن نجاحها في أمر ما هو نجاح الجميع، يتفاخرون به، ويستمتعون بتحقيقه، ويسعون إلى تحسينه وتطويره. وكذلك يشعرون أن فشلها في أمر ما هو فشل لهم جميعاً، معنيون جميعاً ليس فقط بدراسته وكشف أسبابه ومواطن الخلل فيه وآليات تصحيحها أو تجاوزها، بل أيضاً بالإشارة إليها والاعتراف بها، بله الاعتذار عنها!
وهو أيضاً ما فشل البعض في استيعابه! معتقدين أن الأمر يتعلق بالقاعدة الأساسية التي علمونا إياها ذات يوم قاس: عسكرية.. دبّر راسك!
لكن.. أليس من اللافت أن أولئك الذين فشلوا في استيعاب محاولة في ترجمة هذه المؤسساتية، هم أنفسهم الذين دافعوا عن (التقاليد)، وخرقوها؟! 

*- جريدة "النور"- العدد (212)-  31/8/2005

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS