منذ اليوم الأول لإطلاق جمعيتكم، لم يساورني الشك أبداً في أنها ستكون جمعية علمية تسعى، بضمن ما تسعى إليه، إلى نشر وعي علمي صحيح بالمسائل والظواهر الفلكية.
وهو أمر نحتاجه في بلدنا حاجة ماسة. ليس فقط حاجتنا كالبشر جميعاً للعلم، بل أيضاً لأن هذه القراءات العلمية هي سبيلنا الوحيد لصد عالم الشعوذة والمشعوذين الذين يملؤون الآفاق ويجرّون الناس خلفهم إلى غياهب التخلف والظلام.
وقد قدمت الجمعية الكثير في إطار خدمة أهدافها. وهو ما يشهد به الكثيرون. إلا أن ما قام به رئيس الجمعية، الأستاذ فايز فوق العادة، قبل خمس سنين، وقت الكسوف الكامل الماضي، من نشر الخرافة حول الكسوف وآثاره وطريقة متابعته، والذعر الذي أشاعه بين الناس كان مناقضاً تماماً لأهداف الجمعية! بل، فيما أظن، لقناعات أكثر أعضائها ذوي الشهادات العلمية العليا.
وقلنا، وقال غيرنا، إنها قد تكون "غلطة" في التعامل مع الإعلام. خاصة بعد أن حاول الأستاذ فوق العادة أن يتبرأ من نتائج "بيانه" بقوله إنه لم يكن بياناً للناس! بل مجرد ملاحظات موجهة إلى رئاسة مجلس الوزراء وصادف أن وجد من سرّبه!
إلا أن ما حدث في هذا الكسوف، الاثنين الماضي، وما سبقه، أكد بما لا يقبل الشك أن الأمر لم يكن تسريباً، بل إن بيان الأستاذ فوق العادة الأول قصد به الناس، والناس جميعاً، بدليل أنه قام بنشر بيان شبيه قبل فترة وجيزة في واحدة من أهم النشرات الإلكترونية في سورية "وقد رددنا عليه وقتئذ"، مؤكداً فيه مزاعمه حول أضرار متابعة الكسوف، وداعياً الناس إلى التزام تجنب الوجود في الشارع أو الأماكن العامة أثناء الكسوف! وخالطاً بعض الحقائق بالكثير من اللامنطق! ولم تتأخر وسائل الإعلام الأخرى، تحت تأثير لقب الأستاذ فوق العادة رئىساً للجمعية الكونية، عن الترويج للفهم المغلوط ذاك. مما أدى إلى شيوع ذعر عام في البلد تجلى بخلو الشوارع والمعامل والمؤسسات من البشر يوم الكسوف! بل حتى المدارس لم تجد رواداً بعد التصريح الوارد للسيد وزير التربية أن من حق الأهل أن لا يرسلوا أبناءهم إلى المدارس "ونحن نسجلهم غياباً!"، وهو ما ترجم توجيهات من الأساتذة والمديرين أن لا يأتي أحد من الطلاب إلى المدارس! ومن سيأتي سيجلس وحيداً في الصف! وهذا ما جرى حقيقة!
إننا نربأ بجمعيتكم الغراء، التي قدمت الكثير، ومازال أمامها الكثير أيضاً لتقدمه، أن تنحدر إلى مستوى تلك الجمعيات التي نقرأ أسماء منتسبيها: "أم عصام- الجمعية الفلكية! عبد الإله- مجلس الفلكيين العالمي.. إلخ"!
نعرف أنكم تعرفون جيداً حقيقة الكسوف، وأنكم تعون جيداً مدى اللاعلمية التي بثت في تلك البيانات. وتعرفون أكثر أن الناس سيفهمون ويفسرون ما قيل بطريقتهم الخاصة! ونعرف أكثر أن ذلك لا يرضيكم ولا يليق بكم!
وإذا كانت "النور" قد قدمت في الشهر الماضي مقالتين حول الكسوف محاولة أن تصحح الحقائق، فإنما فعلت ذلك محاولة كشف الحقيقة، وآملة أن الجمعية الكونية السورية، التي عرفناها، لن تكون إلا هيئة علمية بامتياز، بل وهيئة تمتاز بقدرتها على تبسيط هذا العلم وتسهيل انتشاره. لا أن تشيع الخرافات والذعر!
إنه لمن المخجل حقاً أن يتابع العالم كله الكسوفات كلها بمتعة وببساطة وعلمية، ونقبع نحن خلف نوافذ مغطاة بستائر سميكة أو بطانيات عسكرية، لأن أحداً ما رأى أن يدفع الناس باتجاه الشعوذة والذعر!
وإنه لدوركم أن تصححوا هذا الأمر وأن تعيدوا للجمعية مكانتها ورونقها، فقد التصق البيان بالجمعية، ويحتاج إلى توضيح.
* صباح الاثنين، أي صباح يوم الكسوف، انتبهت الإذاعة السورية إلى مدى الذعر والخرافة اللذين تسببت بهما آراء الأستاذ فوق العادة وتصريحاته، فسارعت إلى توضيح الحقائق بما بدا للمستمع أنه استنفار حقيقي.. لكنه كان استنفاراً متأخراً جداً!
مع ذلك، شكراً لأولئك الذين حاولوا، وإن متأخرين، نقض الخرافة والشعوذة.