يحكى أن، وبعض الذين حكوا أهم مني ومنك، مطبخ وزارة الإعلام، ومطابخ أخرى تحمل لوحات تسجيل ممحوة تخيف الناس وشرطة المرور، يعدّ، بضمن ما يعدّ، قانوناً للإعلام (سينظم النشر الإلكتروني)!
كثير من الناس يظنون أن هذا عمل جيد! بل يعتقد البعض أن العالم كله سن قوانين تتعلق بهذا الإعلام، إلا نحن! وهذا ما سوَّقه المسؤولون في مناسبات عدة. حتى بدا أن أصحاب المواقع الإلكترونية ومسؤوليها في سورية، هم ثلة من الفوضويين الذين يريدون أن (يفلتوا) دون ضابط! وهذا أمر مفهوم من المطبخ الذي استطاع أن يسن قانون مطبوعات أكثر سوءاً من قانون المطبوعات القديم! واستطاع أن يسن قانون اتحاد ناشرين ليس سوى (قانون طوارئ لضبط الناشرين)! واستطاع أن يسحب هذا الترخيص، ويلغي ذاك، بخروق واضحة لطبخاته ذاتها!
لكن الحقيقة ليست كما يروّجون!
ليس في العالم (والعالم هنا هو الدول على الكرة الأرضية، فرادى وزارفات) أي بلد سن قانوناً يلزم أصحاب المواقع الإلكترونية بـ(الترخيص)! ولا هناك قانون خاص بالنشر الإلكتروني من أي نوع! وهذه حقيقة بسيطة نرميها كقفاز في وجه وزارة الإعلام، وغيرها، ممن يدعون عكس ذلك: سموا لنا بلداً فيه قانون كهذا: أمريكا، فرنسا، ألمانيا، اليونان، روسيا، الصين، اليابان، الكونغو، جزر القمر...؟!
أعجزتم؟! طبعاً! لأنكم لن تجدوا بلداً واحداً فيه مثل هذا القانون!
في العالم، إذا كنتم تجهلون، هناك قوانين تتعلق بالمواد المنشورة، أياً كانت.. هناك قوانين تعاقب نشر التحريض على الكراهية مثلاً! وعلى تجارة الجنس مع الأطفال مثلاً! و.. وهذه قوانين تشمل كل ما هو إعلامي، سواء في الإذاعة أو التلفاز أو الجرائد أو المجلات أو الإنترنت.. وهناك قوانين تسمح لك بتسجيل علامة تجارية لموقع الكتروني، وتسمح لك بتسجيل براءة اختراع.. لكن، ليس هناك قوانين تجبرك على أخذ موافقة من أي جهة كانت لتفتح موقعاً إلكترونياً؟!
وأيضاً، إذا كنتم تجهلون ذلك، فإنكم عاجزون، إذا أردت أن أنشئ موقعاً إلكترونياً دون أن أصرح أنني من أنشأته، عن معرفتي، إلا إذا استعنتم بال سي آي إيه!
وأكثر.. ألم تتعلموا بعد يا سادة أن عالم الإنترنت (عالم ديكتاتوريّ) الديمقراطية؟! ألم تتعلموا أنكم، وغيركم، عاجزون عن (القبض) على هذا العالم وضبطه كما يحلو له؟! ألم تكفيكم تجاربكم الفاشلة في كل ما يتعلق بعالم الإعلام غير المطبوع؟! ألم تنتشر الأطباق اللاقطة، قسراً عنكم، على أسطح المنازل حتى أجبرتم، بقوة الواقع، على قبولها؟! هل فادكم بشيء حجب مواقع يمكن دائماً الوصول إليها بألف طريقة وطريقة؟! هل أفادتكم أحكام محكمة أمن الدولة في منع الناس من متابعة الأخبار والنشرات والمواقع التي (لا تعجبكم)؟! هل حصدتم شيئاً غير المزيد من السمعة السيئة داخلياً وخارجياً؟!
طبعا لا.. فها نحن أولاء نحتل مكانة متقدمة في العالم في تخلف الإنترنت! ومكانة متقدمة جداً في حجب المواقع غير الإباحية! ومكانة (متقدمة جداً) في الفقر والفساد و..
طبعاً لا.. فها هي ذي المواقع التي تحجبونها تتسلل عبر برامج صغيرة هنا وهناك، وتتسلل عبر نشرات إلكترونية لاتعد ولا تحصى! وأنتم تتفرجون عاجزين عن فعل شيء! وبدلاً من أن يطلع الزائر، لولا حجبكم، على طيف واسع من المواد، وبعضها يخدمكم، قدمتم خدمة مجانية بأن تصله أولاً، وبكثافة مؤثرة، المواد التي لا تخدمكم! وهاهم الناس ينظرون إلى ما تفعلونه بأسى شديد على مدى قصر النظر الذي بدأ يصير سمة لكم!
وإذا كنتم لا تصدقون خريجي المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، وهو أعلى هيئة علمية تعليمية في البلد، أن أحداً لا يستطيع أن يغلق هذا العالم الخاص، فانزلوا إلى الشارع! ترجلوا من سياراتكم الفارهة وادخلوا أي مقهى إنترنت لتجدوا فتياناً في عز فتوتهم ينتصرون على كل جدار! اطلبوا من مكاتبكم الصحفية أن تجمع لكم الأخبار التي تتحدث عن مراهقين يخترقون أعتى نظم الأمن الإلكتروني في العالم! فهل سيتوقف هؤلاء عند قانون يريد أن يطبق شريعة الكهوف على العالم الرقمي؟!
لكنني أعرف أنكم تعرفون كل هذا! فما هدفكم إذاً؟! هل هو أن تخيفوا الناس من أن تتعامل مع هذه المواقع وتكتب فيها وتنشر على صفحاتها؟! إذا كان ذلك هو هدفكم.. فأنتم، وعذراً للتطاول، تعيدون سيرة دون كيشوت.. مرة أخرى.. وتعرفون ما الذي يجري حين (يتكرر التاريخ)!
يا جماعة فكروا قليلاً قبل أن تورطوا أنفسكم، وتورطوا البلد بقانون لن يكون، عملياً، سوى مادة أخرى لأقلام لا تعد ولا تحصى تستخدمه سلاحاً آخر بوجهكم.. فكروا قليلاً قبل أن تورطوا الناس بمواجهات لن يكون منها مفر.
فهل تظنون أنكم ستحصدون شيئاً آخر، غير المزيد من الإساءة لأنفسكم ومناصبكم، وأولاً لسمعة هذا البلد، في مشروعكم هذا؟!
من جهتي الشخصية أقول لكم: لا! ولن يعني لي شيئاً، بإطلاق، قانون كالذي يشاع أنكم تطبخونه! اللهم إلا خيبة أمل جديدة! ومواجهة جديدة لا يسرني أن أخوضها!