تنتهي الأشياءُ، بمقدمات أو بدونها، بأثر أو بدونه، دون أن تستأذننا! دون أن تحزم حقائبها! وأحيانا دون أن تلفت إلى الوراء!
الأشياءُ (ربما الوجوه أو بريق العيون أو رنين الضحكات أو وقع الخطو أو..) هي ذاتها تلك التي أمضينا نهارات وليالي في معرفتها! أو شمّ رائحتها! أو صياغتها..!
هي ذاتها تلك التي انهمرت علينا فجأة كبرق في صيف، يبهر ولا يضيء! أو تكاثفت كمطرٍ في شتاءٍ ساحليّ يُغرِقُ ولا يروي!
هي ذاتها التي تلونت كقوس قزح في طفولة متأخرة ضاعت على التخوم! فلا هي تعرف كيف تلعبُ! ولا هي تعرف كيف (تنضجُ)! أو بهتت كأرضٍ عطشى، فلا هي تموت فتُهمل! ولا هي تعيش فتخصب!
وهي هي التي حين تنتهي.. ننتهي معها..
لكن كيف؟! كيف تنتهي الأشياء في عالم لا يتوقف أبداً عن التوالد؟! كيف تنتهي والناس يزدحمون خارج أجسادهم؟! والهواء يتحول إلى جزيئات كيميائية؟! والنار تصير لوناً آخر في زاوية ما؟!
كيف تنتهي الأشياء وهي السابقة علينا في استيطان هذا العالم البالغ الضيق في أرضه، البالغ الاتساع في رحابته؟!
وكيف ننتهي معها؟! ألسنا نولد مرّات ومرّات؟! وليس كالأفعى نغير الجلد وتبقى الأنياب ذاتها، والسم ذاته، والملمس الناعم ذاته! بل كفينيق جديد يخرج من رمادٍ كان فينيقاً آخر قبل أن يحترق.
وما أدراني! لعلنا نولد مرّات ومرّات.. بل يبدو أننا نفعل ذلك من اللحظة التي نخرج فيها من ذاك السائل الدافئ الغريب.. إلى ذاك السائل البارد الأشد غرابة.. دون أن نعرف أبداً كيف نتوقف عن هذا الفعل... الأحمق!
يبدو أننا نفعل ذلك.. لكن ليس كأفعى أياً كان لونها! وليس كفينيق أياً كانت محرقته! بل كبشرٍ!
كبشرٍ؟! ربما. ألسنا نولد كل مرة ممتلئين بما مضى؟! وفارغين أيضاً من كل ما مضى؟! ألا نولد مرة إثر أخرى حاملين حدائق الياسمين التي زرعناها ذات لحظة؟! وخرائب الحدائق التي دمّرناها ذات لحظة؟!
وماذا إذاً؟ العمرُ لحظة! أم لعله غير ذلك؟! أيكون لحظاتٍ؟! وما الفرق ما دامت اللحظة تنتهي كما لو أنها لم تكن؟! وترحل رغم كل ما تتركه فينا جاهزين للبدء من (جديد)؟!
يا لهذه الـ(جديد)! كم سحرتنا! كم فتحت أبواب الروح الأكثر سرية لتطلق منها رياحَ أيلول منعشةُ! أو لتطلق رياح السموم! كم أغرتنا أن نضع أعناقنا على حد السكين ونحزها تاركين على الشفاه ابتسامة لم تكن سوى خط رسمه قلم فاشل!
ولكن.. لا بأس.. ما دمنا نولد من جديد.. وكالبشر أيضاً! حالمين أن هذه الولادات ليست إلا انبثاقات! وواهمين أننا طازجين في كل مرّة!
طازجين! كيف يكون الموت طازجاً! يا للأدباء المساكين.. هل هناك من قال إن العيش الجيد والكتابة الجيدة لا يلتقيان؟! هل قال أيضاً أن أحدهما هو تعويض لفقدان الآخر؟! وهل هو محق؟!
لا يكون الموت طازجاً أبداً مهما كان (جديداً)! ولا تكون ولادة بعد الموت أبداً! هل قلت غير ذلك قبل قليل؟ ربما.. لكن يبدو لي أننا نولد ونولد مرات ومرات.. ليس كالولادة.. بل كذلك التكاثر اللاجنسي الذي يكرر ذاته.. وإن بأشكال مختلفة..
وليس هذا بولادة..
لنعد من جديد إذاً: تتكرر الأشياء، بمقدمات أو دونها، بأثر أو بدونه.. لتنتهي دائماً دون أن تستأذننا!