لا أعرف بالضبط لماذا قررت شهرزاد أن تلعب هذا الدور الذي أعطاها شهرة عالمية ما بعدها شهرة! تارة كامرأة في بلاط أسطوري! وتارة أخرى كنموذج استثنائي للذكاء الأنثوي! ودائماً كضحية أبدية استطاعت الخلاص من سيف الجلاد شهريار! هل كان حب الحياة هو دافعها للوصول إلى طريقة تبقي فيها السيف معلقاً على أمل أن يصدأ ذات مساء؟! أم هو حب التحدي أن تجد في نفسها القدرة على مواجهة بطشٍ أعمى؟! أم كانت تستشرف آفاق الخلود فوجدت الطريق إلى ذلك في مغامرة مفتوحة على اللانهاية؟!
لم يعد ذلك مهماً على أية حال. فالمرأة استطاعت أن تحقق كل ذلك في آن واحد. ومضت تعبر التاريخ الذي لا يتوقف كمنارة للمرأة (الذكية).. وكشاهد حي أبداً على العنف الذكوري! وربما كان شهريار يدين لها أنها خلدته. فهي الوحيدة من بين طوفان النساء اللواتي جزّ سيفه رؤوسهن، التي استطاعت أن تنقله من قصره الصغير إلى فضاء الخلود.
قد تكون هذه حقيقة (والأدب حقيقة بشكل من الأشكال). لكن، هل هذه كل الحقيقة؟! وهل صحيح أن شهريار كان مكتظاً بالسعادة الذكورية الساحقة كلما نفر الدم من نحر صبية أخرى بشفرة سيفه؟! هل صحيح أنه كان يشفي غليله، أو حقده، أو (شرفه المثلوم) كلما أغلق عينين أخريين، إلى الأبد، في فراشه؟!
هل صحيح أن معادلة العنف كانت دائماً ضحية مسكينة مغلوب على أمرها يمارس العنف عليها، وجلاد جبار فظ يمارس العنف؟!
بصراحة! لا يعجبني هذا! فأنا لا أعرف في حياتي المباشرة (وجميعنا يأخذ معايير أساسية من حياتنا المباشرة)، ولا من حيوات الآخرين اللواتي صادف أن احتككت بهن، ولا من قراءاتي، عنفاً شخصياً لا يترك أثره إلا على طرف واحد يكون هو الضحية! طبعاً هناك طرف واحد يتلقى مباشرة شكلاً فظاً منه. لكن الطرف الآخر، الممارس للعنف الفظ المباشر، يتلقى أشكالاً أخرى أقل وضوحاً من العنف، وقد لا تكون أقل أثراً.
فالرجل الذي يضرب زوجته (أو حبيبته أو أخته أو أمه..) يهدر إنسانيته أثناء ممارسته هذه الفعل. وربما لذلك كثيراً ما نرى ممارس العنف هذا يعود ليتذلل بأبشع الطرق والأساليب أمام الذي كان قبل قليل مادة سهلة للضرب!
طبعاً لا يمكن أن يكون هذان الشكلان للعنف متساويين. ويبقى العنف المباشر أشد أنواع العنف خطراً لأنه يتهدد الجسد مباشرة.. يعني يتهدد حامل الحياة الذي لولاه لم يعد هناك شخص محدد بعينه موجود في زمن بعينه. لكن الفكرة أن العنف هذا، ككل أشكال العنف الأخرى، لا يمكن له أن يمارس بخط مستقيم: من الجلاد إلى الضحية! بل هو دائماً عنفٌ دائري يرتد بألف شكلٍ وشكلٍ إلى الجلاد ذاته! عنفٌ يمكن لنا أن نحدد متى يبدأ.. لكن قد يكون من الصعب أن نحدد متى ينتهي! عنفٌ الخاسرون فيه هم الممارِس للعنف، والممارَس عليه.
أليس هذا ما يقوله كل الأشخاص من كل التيارات والاتجاهات والعقائد فيما يخص العنف المجتمعي والسياسي العام؟! ألم يتفق الجميع خلال القرن العشرين، وخاصة في السنوات القليلة من القرن الحادي والعشرين، أن العنف الذي تمارسه سلطة ما يرتد عليها بنحو أو آخر؟! يبدو لي أن الأمر هو ذاته في العنف الأسري أيضاً. العنف يرتد بنحو أو آخر ليطول الذكر- الرجل. يمتد ليشوه إنسانيته.. ويمتد أحياناً ليطوله مباشرة.
لهذا أتساءل الآن، على أبواب اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، إن كان شهريار سعيداً فعلاً وهو يجز كل تلك الرقاب؟! أتساءل إن كان قد وقف عاجزاً عن تحقيق حلمه بإيقاف هذه الدورة الدموية.. وإن لم يكن سعيداً جداً وهو يراها تتوقف كل ليلة كاسرة له قيوده الخاصة قبل أن تبعد حد السيف عن رقبة شهرزاد! وأتساءل إن لم يكن من مصلحة الرجال جميعاً، مثل النساء، أن يتوقف هذا العنف الدائري الذي يأكل الأخضر واليابس في حياتنا.. حياتنا كلينا: الرجل والمرأة!