كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
ملاءات طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

استيقظت هذا الصباح مبتسماً، كالعادة المستجدة، وفتحت الإنترنت باحثاً عن أخبار هذا العالم، مقرراً إغلاق كل صفحة تبدأ بعنوان مثير للنكد أو الهم أو الإحباط.. وهذا أمر شاق ومكلف نظراً لأن مزودي الخدمة الإنترنيتية في سورية يعتمدون حكمة السلحفاة بدلاً من حكمة الأرنب المنتشرة في العالم، بدءاً من العراق المحتل، إلى تلك القرية الغريبة الأمريكية التي وضعت مآخذ إنترنت في الشوارع والحدائق!

 وشاق لأن هذا العالم أدمن نشر الأخبار المثيرة للنكد مثلما أتقن صناعتها. حتى صار البحث عن أمر يبهج الروح شبيهاً بالبحث عن إبرة في كومة من الزبالة، كتلك التي تملأ الحارات (الشعبية) ولا تجد من يرفعها. فيساهم المواطنون المعتزون بمواطنيتهم في حماية البيئة عبر حرقها. تاركين للنار المشتعلة ببطء، والملتهمة لكل شيء من الأحذية غير القابلة للترقيع إلى أكياس النايلون المثقوبة، أن تملأ الفضاء بدخان يستمر لأيام في تلطيف الجو وتعطيره!
نظراً لهذا الواقع، اضطررت إلى تشغيل مخي في البحث عن آليات جديدة (عذراً من سدنة الصمود والثبات. وأؤكد التزامي التام والمطلق بما أنجزه أباؤنا وأجدادنا حتى ألف جيل. كما أؤكد ثقتي التامة بـ(كياسة رجال الأمن) وتهذيبهم وحسن سلوكهم. وهو الأمر الذي اختبرته شخصياً دون أن أستطيع منع نفسي من الندم على تلك الأفكار المستوردة التي حملتها دون أن أتحقق منها!).
ولما كانت الآليات الجديدة تستنبط عادة من القديمة. ويساهم في استنباطها كل ما تراكم في الدماغ من معلومات ومعطيات، فقد استنجدتُ بأحد شخوص الزنديق سلمان رشدي في إحدى رواياته (هو حقاً زنديق. إذ يلزم الأمر أن يكون المرء كذلك ليمكنه كشف الحجب ورؤية ما تحت السطح في مجتمعات تعتمد على التناقض بين السطح والعمق في كل تفاصيل حياتها!) حين وجب أن يعاين جسد امرأة في مجتمع يمنع مطلقاً إي إطلالة لعين الرجل المستذئبة بحكم طبيعته على جسد المرأة الأرنبي بحكم طبيعتها. وحلاً لهذا الأمر لجأ إلى ملاءة سوداء ثقبها ثقباً صغيراً بالكاد يمكن منه رؤية بضعة سنتيمرات مما هو في الجهة الأخرى. وراح يحرك الثقب هنا وهناك ليجسّ ويدسّ بحثاً عن تشخيص مناسب لمرض غريب.
لكن للأسف. بل لحسن حظي، كمواطن يعيش في بداية القرن الحادي والعشرين، لم يترك لي القائمون، على راحتي وحسن تنفسي وتفكيري، شيئاً لأفعله. فقد تنطحوا، بحسهم العالي بالمسؤولية والتفاني في خدمتي، لحل هذا الأمر. ويبدو أنهم كانوا قد قرؤوا الرواية المذكورة وأعملوا فيها الفكر واستنتجوا الآليات الصحيحة. وهي أن يتحول مزود الخدمة هذا نفسه إلى ملاءة سوداء غير ملموسة. مزود الخدمة هذا الذي يفترض أن يكون نافذة مفتوحة على عالم فشلت حتى الولايات المتحدة، سرطان القرن الحادي والعشرين، في إغلاقها حين وجهت مدافع دباباتها إلى وجه صحفي لم يرغب في قبول وجهة نظر (الموضوعية البنتاغونية)!
كيف؟ الأمر سهل للغاية. يكفي أن تضع، بوساطة خبرائها، ما يمنع من فتح صفحات أي موقع لا تنطبق عليه القياسات النظامية لسرير اللحمة الوطنية (بضم اللام لا بفتحها) وفق وجهة نظر هذا المسؤول أو ذاك. حتى إن المهتمين يعرفون أن موقعاً إخبارياً مهماً حجب لمجرد أنه نشر مقالاً لم يعجب وزيراً سابقاً. ورغم أن الوزير لم يعد وزيراً إلا أن الموقع ما يزال محجوباً!. وطبعاً يمكنكم تصور ما الذي تتضمنه هذه المواقع. إنها تتضمن، ببساطة، مجموعة من الأخبار الدسمة المحقونة بالسم والتي ستسمم عقولنا الصغيرة والمتخلفة وغير القادرة على التمييز. وحتى لا يكون لأحد فرصة الصيد في الماء العكر، وقول ما لا يجب أن يقال، مرّت من هذا الثقب آلاف المواقع الإباحية التي تعرض لك ما فشل عقل كعقل الماركيز دو ساد في أن يتخيله من فنون الممارسات الجنسية الدموية! لا تسيئوا الظن! فالأمر يتعلق بفهم إبداعي لآراء المرحوم فرويد حول أساسية الدافع الجنسي عند الإنسان، وضرورة حل هذه الإشكالية ليتمكن المجتمع البشري من أن ينجز ثورة أخرى في تطوره بعد الثورة المتمثلة في تنظيم نفسه كمجتمع! ولأن الأمر يتعلق بفرويد، فقد رأى السادة أولاء، وطبعاً هم ليسوا ذوي الوجوه الجميلة والبشوشة واللطفاء حقاً الذين تقابلهم حين تود أن تشترك أو تدفع، أن حكاية الملاءة هذه صالحة لتعميمها على غير الإنترنت. وهكذا صار يمكنك أن تقرأ في وكالة الأنباء السورية، وفي الصحف المحلية، وتسمع في محطات الإذاعة والتلفاز مقتطفات من أحاديث المسؤولين السوريين التي صرحوا بها للعالم الخارجي. مقتطفات مرت من ثقب الملاءة بكل سلاسة وهدوء بحيث لم يعد فيها سوى ما قرأته قبل يوم أو سنة أو قرن. بينما تبقى الكلمات التي يدفعنا حسنا المشوه للبحث عنها خارج مجال الرؤية لأنها أكبر من هذا الثقب!
لكن، عن ماذا أتحدث أنا؟ يبدو أنني أخطأت. كنت قد قرأت شيئاً يتعلق برفض الإملاءات المفروضة ما دامت تأتينا من الخارج (الخارج مفهوم فلسفي واسع يتضمن التطابق -الموضوعي- بين ما يريده الداخل كقول حق يراد به حق، وما يدعيه الخارج كقول حق يراد به باطل. بحيث يصير الداخل خارجاً، أو مرتبطاً بالخارج، أو عميلاً له، في حال تعارض مع..). لست أذكر أين قرأت هذا. لكن الوقت ربيع. وليس من حاجة الآن إلى نظارات شمسية ملونة تغير حقيقة الأشياء التي يمكن رؤيتها في كل مكان.
مع ذلك يجب أن أقول إن بطل سلمان رشدي تمكن أخيراً من أن يرى جسد المرأة تلك كاملاً. بل، حسبما أذكر، تمكن من اختباره أيضاً بأن تزوج منها. لكنني لا أذكر ما إذا كانا قد أمضيا بقية عمرهما بسعادة ورفاه، وبنين وبنات. أم لا.

*- جريدة "النور"- العدد (141)-  3/3/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS