بحكم العادة، فتحتُ عيني في هذا الصباح المتأخر لأجد الجدران المغبرة التي تركتُها محيطة بي في المساء هي ذات الجدران. الخزانة منزوعة الأبواب في مكانها. المصباح المتدلي من السقف بلا مبالاة مستفِزة لم يغير وضعيته. والفوضى التي تكونت معي ما تزال هي هي! غريب! ألم يحدث شيء في الساعات الطويلة التي مضت! وأمنياتي! تلك التي أطلقتُها في اللحظات التي كانت الساعة تدق فيها الثانية عشرة معلنة رحيل عام آخر من عمري. ألم يجدها ساحر ما؟ لا بد أن يكون قد وجدها. لكن لعلها أربكته بتناقضها المريع ففضل أن يتجاهلها!
معه حق. كانت حقاً أمنيات متناقضة رغم جهودي الجبارة العبثية في جعلها منسجمة ومعقولة. جهود تشبه جهود سيزيف وهو يلهث تحت وطأة صخرته صاعداً الجبل مرة تلو أخرى. سوى أن سيزيف كان يعاقب لإثمه في فضح سر النار لهذا الكائن الفاني. وأنا أعاقَب لمحض وجودي في هذه اللحظة من (التاريخ)!
تمنيت أن أربح ورقة اليانصيب التي أدمنت شراءها دون أن تكحّل جيبي رزمة خضراء أو زرقاء. وتمنيت أن أحصل على عمل أضافي لأملأ الفراغ المزمن في ثلاجتي! تمنيت أن أعود طفلاً ليخلو بالي. وتمنيت أن أصير حكيماً بلحية بيضاء وعيون هادئة! تمنيت أن أتلاشى على صدر حبيبتي لأدفأ. وتمنيت أن ترحل عني غداً لأرتاح من هموم الحياة المشتركة! تمنيت أن أفيق صحفياً مشهوراً تلهج به الألسن. وتمنيت أن أجد كوخاً منعزلاً في أبعد غابة لأغمض عيني! تمنيت أن يُعتقل أسامة بن لادن القادم مما قبل التاريخ. وتمنيت أن ينتصر على أولئك الذين يحتكرون التاريخ! بل إنني تمنيت أن يعم السلام البشرية كلها. وتمنيت أن أمتلك قوة سوبرمان لأمزق منتقماً، بأفظع ما تتخيلين، من دأبوا على سرقتي وإهانتي!
هذا تناقض. أليس كذلك؟ ربما لهذا السبب مضى بابا نويل دون أن يحقق لي أياً من أمنياتي. لكن أيهما الطبيعي في الإنسان: أن يكون متناقضاً هكذا، أم... أم ماذا؟ ما هي المفردة المناسبة في هذا الموضع؟ منسجماً؟ متساوقاً؟ أحادياً؟..
بغض النظر عن المفردة التي لم تجد صخباً كافياً في الحياة ليولّدها، أيهما الصحيح (هل يكون الصحيح هو الطبيعي، دائماً؟): أن يكون قلبي وعقلي مترابطين ومرتبين كحبات عقد من اللؤلؤ متقن الصناعة؟ أم أن يكونا كفسحة مزهرة في غابة استوائية تتضارب فيها أشكال الزهور وروائحها؟ العلم والفلسفة يقولان بصحة الحالة الأولى. والحياة تقول بصحة الحالة الثانية. العلم والفلسفة هما أبناء الحياة. لكن الحياة تصير الآن بنتاً للعلم والفلسفة!
هل هذه فذلكة؟ صدقيني ليست كذلك! فأنا أعرف أن لدي حافزاً مطلقاً لاكتشاف العالم المختبئ خلف أسوار الخوف. أن خلف القشور المحيطة تكمن حقول من الريحان تنتظر لمستي لتفوح. أن عالم السرّ يترقب بلهفة عاشق أن أزيح الطرحة عن وجهه. أن عالم الديجيتال، عالم الرقميات يقدم لي ما كان يحتاج إلى عمر كامل من المعرفة! وأعرف أنني أرى اليوم، أي تمر على مساحة شبكيّتي، من البيت إلى الجريدة، مئات أضعاف الأشياء التي كانت تمر على شبكية أبي في الطريق من الثكنة إلى البيت! أعرف أن الحب كان (عشاً وبطاطا وزيتون) كما غنت الشحرورة. وصار الآن بيتاً من أسمنت وثلاجة وغسالة آلية..! أعرف أن الحرية كانت كلمة غريبة. وصارت الآن أحجية لا تحل بين الأنا والنحن! أعرف أن سادة متخفين في أزياء معتادة يحكمون رقبتي. وأعرف أنني لا أريد لسادة جدد أن يتحكموا برقبتي! وأعرف، أكثر من كل ذلك، أن بقاءنا، أو غيابنا عن هذه الحياة، لم يعد له أي دور في استمرار هذه الحياة التي اكتظت إلى درجة أن شيئاً من الخسارة قد يكون مفيداً لها! أمر مؤسف بالتأكيد. كما أنه مؤسف أن الماء ينحدر من الأعلى. جورج دبليو بوش يتحكم بالعالم. وزلزال بم قضى على خمسين ألفاً. ورئيس التحرير هو ولي نعمتي!
يجب أن أعترف إذاً (كم مضى على اعترافي الأخير؟) أن التناقض يحكمني. وربما أعتقد أنه يحكم التاريخ الآن. كل القصة أنني أتساءل، مرة أخرى، إن كان ذلك خطأ أم صواباً؟ على كل حال، بغض النظر عن النتيجة الأولية، ألتفت حولي لأقول، بكثير من الريبة والشكِ، لستُ أنا فقط. حتى السماء تبدو محتارة في ما الذي تفعله. الوقت شتاء والشمس ساطعة! تبدو هي أيضاً محتارة في ما يجب أن تفعله: تفرح أم تحزن! تنهمُّ أم تخلو؟ تتحرر أم تتقيد!