حتى الآن كان التاريخ تاريخ رجال. تاريخاً صنعه وبناه وقاده وسجله ذكور بسيوف ماضية أو بسياط طويلة. بعربات مزركشة لآلهة تتقن فن المتعة أو بآلهة متجهمة تتقن فن القتال. بصولجان من حديد ونار أو بصولجان من طحين ونار. بحدائق بابل المعلقة أو بسور الصين العظيم. بهرطقة دوران الأرض حول الشمس أو بتحريم دخول المرحاض بالقدم اليمنى. بزواج المثليين والمثليات أو بمنع حلق اللحى ومنع الموسيقا.
قد يكون هناك، فيما قبل التاريخ، ذلك المجتمع الذي يُدلّ عليه ببعض بقايا القبائل البدائية. المجتمع الأمومي. لكن للأسف كان ذلك في ما قبل التاريخ. ولم يترك لهذا الجنس المهووس بالتاريخ أية آثار عظمة. لم يترك وراءه سوى نتائج معركة انتصر فيها الرجل. يُقال إنه كان مجتمعاً مثالياً. ربما كان كذلك. لكن أسطورة المقاتلات الأمازونيات لا تسرّ الخاطر. وعلى أية حال، ذلك المجتمع المفترض لم يترك وراءه آثاراً حاسمة الدلالة. والمجتمع الذي ترك آثاره، وما نزال نعيشه، هو مجتمع الذكور حصراً. المجتمع الذي أتقن تقسيم الأدوار لمصلحته. فحوّل المرأة إلى كائن مزدوج: عامل نشط لا يكل ولا يمل في النهار. وجسد ممتع جاهز عند الرغبة في الليل. وبين هذا وذاك يحق لها أن تشكو وتتذمر.. وتطيع. وتحوَّل هو إلى كائن متعدد الشخصيات: بغل عمل في السلم. جندي مقدام في الحرب. شديد التزلف أمام الرؤساء. شديد القسوة أمام المرؤوسين. ومتذلل من الطراز الرفيع حين يلتقي امرأة. وبين هذا وذاك يحق له أن يشد صدره ويفخر.. ويكذب.
إذا كان الأمر كذلك. وإذا كان المجتمع الأمومي شبيهاً به مع تبادل في الأدوار. ألا يدعو هذا للتساؤل عن مدى (الطبيعية) في فكرة المساواة بين الجنسين؟ ليس ذلك النقاش الطويل الذي دار حول حجم الدماغ وقوة العضلات ودرجة الذكاء وتأثير الإباضة والحيض على المحاكمة العقلية.. إلخ. ليس هذا ما قصدته بالتأكيد. فبغض النظر عن رغباتي الذكورية لم يترك العلم لي أية حجة. ما قصدته أن التاريخ المكتوب، وغير المكتوب يقول إن المرأة والرجل لم يكونا متساويين أبداً في الحقوق والواجبات!
يبدو أنني أغامر برأسي الآن! إذ صارت فكرة المساواة الطبيعية بديهية لا يجرؤ غير الظلاميين على مراجعتها. فهل هذه ظلامية من نوع آخر؟
لا شيء على الإطلاق، غير أفكارنا، يؤكد فكرة المساواة الطبيعية بين الجنسين. فعالم الحيوان الذي قدمنا منه لا يعترف بهذه المقولة إطلاقاً. وتاريخ عالم الإنسان الذي بنيناه يؤكد عكس هذه المقولة. ويبدو لي أن الأمر يشبه هنا فكرة حقوق الإنسان. هل عرف التاريخ في يوم من الأيام فكرة حقوق الإنسان قبل العصور الحديثة؟ أبداً. حتى تلك الأمثلة التي تساق هنا وهناك عن معاملة مميزة لأسرى الحرب مثلاً، تتجاهل الاختلاف الأساسي في أن المعاملة الجيدة كانت كرماً من المنتصر. أما الآن فهي حق مطلق للأسير. كان قتل المحاربين المستسلمين هو القاعدة الأخلاقية. والعفو عنهم هو لفتة كريمة. قتل المحاربين المستسلمين الآن هو جريمة يعاقب عليها القانون. كان السبي وتدمير القرى هو أمر مشروع. الآن هو جريمة إبادة جماعية. وهذا هو الأساس في حقوق الإنسان. إنها حقوق وليست منّة من أحد. وبصفتها هذه، هي نتاج حضاري للإنسان لم يكن يمكنه أن يصل إليه قبل أن يصل بتفكيره إلى القناعة أن السجن مدى الحياة هو تطور بالغ الأهمية عن السن بالسن والعين بالعين.
فكرة المساواة بين الجنسين هي كذلك. فكرة حضارية لم يكن ممكناً الوصول إليها قبل العصور الحديثة. قبل أن تجبر المرأة على الخروج من المنزل إلى العمل المأجور لحاجتها إلى أجره. وقبل أن يجبر الرجل على قبول عمل المرأة المأجور لعجزه عن الاكتفاء بأجر عمله. أو قبل أن تستقيل العضلات من دورها المركزي في الإنتاج. وأيضاً هي فكرة لم يكن ممكناً الوصول إليها لولا الاختراعات العظيمة كالديمقراطية والمواطَنة.
يبدو لي أن فكرة المساواة الحضارية هذه أكثر إقناعاً وإغراء بكثير من فكرة المساواة الطبيعية. وعلى الأقل هي تخرجها من ذلك النقاش البيزنطي حول طبيعة المرأة وطبيعة الرجل. وربما تعفي الكثيرين من عناء البحث الأجوف والعبثي عن نساء برزن هنا أو هناك في مصادفة موت زوج. أو تضخيم عمل امرأة في لحظة ما من التاريخ لإبراز نصاعة هذا التاريخ أو ذاك.
أكان هناك نساء متميزات أم لا؟ لم يعد ذلك مهماً. المهم أننا الآن مطالبون بتحقيق هذه المساواة. ليس لأن الله خلقنا هكذا. بل لأن المساواة هي مكتسب حضاري، وهي لمصلحتنا جميعاً.
مع ذلك تحضرني الآن فكرة صغيرة. ربما كانت كارمن لُبّس هي التي عبّرت عنها بعد عرض لها في معهد العالم العربي في باريس: تبدو حركة ورك المرأة في الرقص الشرقي (الرقص الشرقي لا رقص الخلاعة) أقرب إلى حركتها وهي منكبّة على جرن من الحجر تهوي بالمخباط لتقشر الحنطة المسلوقة. وتساءلتْ: أليست هذه الحركة هي حركة الحياة؟
لم يعد الرقص الشرقي يجذب أحداً في غير النوادي الليلية، وكمتعة مؤقتة في انتظار المتعة اللاحقة! لكن، مع ذلك لم تتوقف المرأة عن صناعة العجين، وخلق الحياة.