كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
قرار طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

ملأني الغيظ وقتاً طويلاً من أولئك الذين يستيقظون كل صباح ووجوههم طافحة بالبسمة. يرفعون الأغطية الصوفية التي عبقت برائحة النوم، ويشرعون في استقبال اليوم الجديد كأنه خُلق من أجلهم! بل كأنه سلة مليئة بالأفراح والمسرات تنتظر أن يفتحوا أجفانهم لتنفتح لهم! كأن هذا العالم الذي صادف أننا نعيش فيه متخم بالعدالة والديمقراطية والرخاء والسلام! بالحب والخير والجمال!

 بالصدق والإخلاص! بالجرأة والمبادرة!
كيف يمكنهم فعل ذلك وهم يعرفون حق المعرفة أن الكرة الأرضية، من قطبها الأول إلى قطبها الثالث محكومة بالقوة والبطش مهما اختلفت تسميته؟ وأن الدم البشري يسيل في كل مكان وكأنه ماء انسكب! وأن أسلاك غوانتامو تبدو بالغة الشبه بأسلاك بيت لحم وأسلاك بن لادن وأسلاك الطاغية المخلوع؟ وأن شل وجنرال موتورز وميتسوبيشي وفيليبس تحكم العالم أكثر مما تحكمه برلماناته جميعاً؟ وأن فضل القيمة (تعبير بائد) يتقاسمه الجميع إلا منتجه! وأن الديمقراطية ما تزال (تتعزز) منذ ولدتني أمي دون أن تصل! وأن عدد تجار المفرق هو سرّ قومي من الدرجة الأولى!
كيف يبتسمون وهم (مقبلون) على أطفال يصطفون مطأطئين الرؤوس وهم يغمغمون: الأستاذ طلب دفاتر جديدة! ولا يجرؤون على التذكير أن العيد مرّ بألبسة من البالة! والمنخفض الجوي الذي نسي كيف يرتفع يدمدم: المازوت! والسقف الذي (يدلف) لم يعد يهتم في أي (طنجرة) سيصب! مقبلون على صراع الجبابرة لركوب سرفيس ضاق بخصوبة السكان دون أن يُسمح له بالتكاثر ودون أن يحل محله شيء! على عمل مذل بلا عمل في القطاع العام. وعمل مذل ومجهد في القطاع الخاص! أسعار المواد التي تزداد في الخفاء دون أن يجرؤ أحد على وضع حد لها! مشاريع سياحية تهدم بيوت الفقراء دون أن يرف لها جفن. وحكومة تعجز عن هدم دكان يعيق استكمال أوتوستراد منذ أكثر من خمسة عشرة عاماً! أنفاق مشاة تكلف ملايين الليرات السورية وتغلق بعد وقت قليل لتتحول إلى مكب قمامة! شعب دراسية بأربعين طالباً. وتعليم مجاني تزداد تكاليفه يوماً إثر يوم!
وماذا أيضاً؟ علاقات اجتماعية لم تعد تستطيع العودة إلى أيام (ع البساطة.. البساطة). ولم تعرف كيف تصيغ شكلاً جديداً مناسباً! الريبة والكذب اللذان تزكم رائحتهما الأنوف في كل مكان! الحب المفقود دون أن يكلف أحد نفسه عناء البحث عنه! الثقة بالنفس المبنية على الوهم! وتقدير الذات المستمد من تسفيه الآخر!
كل هذا الغيض من فيض (المسرات) اليومية، وينهضون مبتسمين! أليس أمراً يدعو إلى الغيظ! خاصة وأنا أستيقظ بوجه مقطب وتشكيرة بشعة كأنني ذاهب تواً إلى حبل مشنقتي؟ ليس ليوم أو يومين. بل لأعوام طويلة وأنا أفعلها كل صباح. وأمضي بضعة ساعات قبل أن أتمكن من فرد تعابير وجهي بما يكفي لاعتباره وجهاً إنسانياً! حتى صرت أكره غسيل وجهي كي لا أراه في المرآة. لأعوام طويلة وأنا أبرر ذلك بكل تلك الأعذار المريعة التي سقتها.
لكن. ما الذي حصدتُه من كل ذلك الغيظ؟ الكثير من تجاعيد الوجه التي كان يمكنني تأجيلها. قاموس من الشتائم السخيفة. ثياب تفوح برائحة التبغ المقرف وصدر محشو بالنيكوتين. وخسرت ساعات كل يوم كان يمكنني أن أعيشها. كان يمكنني أن ألونها بابتسامة صغيرة وبضع كلمات لطيفة. هل كان ذلك سيمنعني من فعل أي شيء فعلتُه؟ هل كان ذلك سيقلل من (كفاحيتي)؟ هل يتعارض ذلك مع (ثقافتي) الواسعة؟ ربما. لكن فقط إذا كان فنجان القهوة- سكر وسط- الذي أحببته على الدوام يتعارض مع فنجاة القهوة- سادة الذي شربته على الدوام!
أتعرفين! لقد قررت اليوم أن أتخلى عن تلك العادة رغم أنني لا أمتلك شروى نقير من تلك البذرة التي يسمونها التفاؤل. كما قرر بطل إحدى القصص القصيرة، فجأة، أن يصير ماركسياً! قررت أن أستيقظ مبتسماً. ولو من باب (الجكر)!

*- جريدة "النور"- العدد (138)-  11/2/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS