لم يعد هناك ورق أخضر على طول الطريق من دمشق إلى قدسيا. ذلك الطريق الضيق والمزدحم والملتوي كأفعى. أو كأفكاري السرية التي لا أجرؤ على البوح بها. لا خوفاً من استهجان الآخرين لها، بل خوفاً من أن لا يعود بإمكاني إنكار وجودها! ذلك الطريق المحفوف بأشجار الحور الممشوقة والهامسة، تعرى فجأة. وانتصبت الأغصان التي كانت قبل قليل تخبئ أجمل الزقزقات متشابكةً ووحيدةً على خلفية سفحٍ جبل بني لم تنجح الأغاني الحماسية، ولا حملات التشجير العشوائية المرتجلة، ولا البيوت المعلقة بقدرة قادر وعناد أصحابها في أن تجعله أكثر شموخاً أو أقلّ قساوة!
مضت سنوات طويلة وأنا أعبره مرتين يومياً. وأحياناً أكثر من ذلك، في كل الأوقات. في الصباح الباكر حين يضج بأصوات الكائنات التي أراحها النوم وأتعبها جوعها، فقامت متلهفة لنشاط وطعام. وفي الظهيرة حين يسقط الظل عمودياً فتظهر الغابة على ما هي عليه: أشجار عديدة. وفي المساء حين يحاول الظلام أن يغلف الأشياء فيتراجع مهزوماً أمام سيل المصابيح الصفراء التي ما تزال تحاول تقليد الشمس. في الربيع حين تعبق رائحة الوريقات الجديدة غير عابئة بالسحابة السوداء التي صارت رفيقة لأقدم عاصمة ما تزال عاصمة في الأرض. وفي الصيف حين يشتد القيظ تاركاً للجسد تمني أيام الغابة وقت لم يكن هناك آداب عامة تفرض ارتداء القماش. في الخريف حين ينسل حزن هادئ في نسائم الهواء المنعش. وفي الشتاء.. الشتاء الذي يعيد سيرة الأشياء مبتلعاً الورق الأخضر على طول الطريق من دمشق إلى قدسيا!
سنوات طويلة. وفي كل مرة عبرته فيها عائداً إلى بيتي كان يبدو فيها كمطهر يخلصني رويداً رويداً من ذلك الصخب الذي أدعه ورائي في المدينة المزدحمة. زارعاً فيّ بسرعة قياسية شوقاً جديداً إلى ذلك الصخب الذي منحني فرصة أن أكون. ومنحته الكثير من روحي. روحي! أليس غروراً آخر أن أستخدم ياء المتكلم نحو كائن بهذا التعقيد والتشابك؟ بل أدعي إمكانيتي على منحها أيضاً؟ ولكنني ادعيت ذلك قبلاً مرات عديدة أنت تعرفين بعضها حق المعرفة. تذكرين حين شممتُ رائحة شعرك المجدول بتلك الطريقة التي دأبت عليها جدتي حتى لحظاتها الأخيرة في هذا الكوكب الصغير.
قلتُ لكِ حينئذ إن تلك الرائحة تغلغلت في دمي. وإن روحي ابتسمت ساخرة وهي تغادرني لتستقر بين يديكِ. ووعدتك.. ما الذي وعدتكِ به آنئذٍ؟ ربما عليّ أن أستعيد كلماتٍ قديمة: (لم أستطع أن أقطف لكِ النجومَ التي وعدتُ/ لم أستطع أن أوقف الموجَ/ لم أستطع أن أفعل شيئاً، أي شيء، من أجلكِ/ فقط، استطعتُ أن أحبكِ البارحةَ أكثر مما أحببتكِ أول البارحة)! حقاً استطعتُ أن أحبك البارحة أكثر مما أحببتك أول البارحة. وأنا وأنت نعرف، صرنا نعرف أن الحب أيضاً، بل ربما أكثر من أي (عمل) آخر، يحتاج إلى الكثير من الدأب والمثابرة. الكثير من الجهد والكد. الكثير من الحذر والإقدام. صرنا نعرف ذلك.
لكن هل عرفنا حقاً معنى الحبّ! أهو تلك الرعشة المفاجئة في القلب والجسد؟ لا يمكن أن تدوم الرعشة طويلاً! أيكون ذلك الحلم الضبابي المكبوت؟ لكن الأحلام نادراً ما تتحقق! ربما هو ذلك الخوف من الوحدة؟ لكن الوحدة مصيرنا النهائي المحتوم! وأتساءل أيضاً عن علاقة الحب بالحرية! هل الحب امتلاك مهما كان شكله؟ إذاً يكون الحب الأكبر هو لمن، بل لما لا قرار له. فامتلاكه تام غير منقوص! هل هو استقلال مطلق؟ أليست الغربة هي أقصى استقلال! هل الحب هو الدهشة! وهل يمكن لأمر أن يُدهشنا إلى الأبد؟ ما هو الحب إذاً؟
بالتأكيد لستُ أرغب في استعراض تلك المقولات المضحكة الصوفية عن الحب والحلول. وإذا كان جهلي فادحاً في ما هو الحب، فإن يقيني مطلق أنه لا يكون على بعد أنملة من الناس، من الحياة. الحياة التي أعظم اختراعاتها هو الموت! ذلك الذي نذمه ليل نهار. نخافه ليل نهار. نتمنى ليل نهار أن لا يصلنا! لكن، تخيلي لو أننا، والشجر والحيوانات والأفكار والمشاعر.. خالدون كالفيروسات لا نموت! تخيلي ما يحدث لو أن من اخترع الفأس الحجري مازال حياً إلى الآن! أو لو أن قوانين حمورابي الثورية في حينها، والبالغة الظلم الآن، ما تزال هي التي تحكمنا! تصوري لو أن قضاة محاكم التفتيش هم قضاتنا الآن! أو أن سادة أمريكا سيبقون سادة العالم إلى الأبد! تصوري لو أننا نحب مرة واحدة فقط كما تقول الأغاني! أو لو أن لنا نصفنا المقرَّر مسبقاً كما ادعى فيلسوف نصف متشرد! أي جنون هذا! أي ظلام!
يبدو لي أنه هنا، هنا فقط، في الحياة الحقيقية المعقدة والمتشابكة والتي لا تعرف خالداً إلا الموت، ما زلتُ أبحث عن أجوبة ربما ليست موجودة أبداً. لكن ذلك ليس عبثاً. قلت لك إن الحور على الطريق عار الآن. لكنه سيورق بعد قليل. سيعود الحفيف وضجيج العصافير. وسأرخي رأسي مجدداً على مقعد مهترئ في السرفيس تاركاً للطريق الطويل الملتوي كأفعى أن يخلصني من تلك السحابة السوداء.