كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
المعجزة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

أأنتَ سعيدٌ يا أبي؟ منذ زمنٍ طويلٍ لم تزرني. هل كنتَ مشغولاً إلى هذا الحد؟ غريب! اعتقدت أنك ستكون ضجراً في ذلك العالم الذي رحلتَ إليه مبكراً بعض الشيء. لا، لم أؤمن به بعد. ولا أظن أنني سأؤمن به أبداً. أنت تعرف أنني لم أرتدِ قناعاتي على أنها عباءة صيف. بذلتُ جهوداً كبيرةً في بنائها. وأحتاج إلى الكثير من الحجج وقوة الإقناع لتغييرها. على عكس ما يعتقد السادة ذوي الكراسي والياقات الذين يستغبونني ليل نهار معتقدين أنني عجينةً لا تجفّ. وبالتالي يمكن لهم أن يشكلوني ويعيدوا تشكيلي كلما عنّ ذلك على بال مصالحهم.

هؤلاء السادة يثيرون شفقتي. يهيأ لي أحياناً أنهم على حافة الاختناق كالديناصورات بعيد اصطدام النيزك بأرض المكسيك: لم تعد قادرةً على الانسحاب (لا أحد ينسحب!)، ولم تستطع التأقلم مع عالمٍ تغير جذرياً. فبدأت تتخبط ذات اليمين وذات الشمال. قد يكون الأمر مفهوماً مع الديناصورات. فهي محكومةٌ، ككل الكائنات، ببنيتها البيولوجية. أما الأمر هنا فهو مختلف. صحيحٌ أن بنى العقل والمصالح هي بنى أيضاً. وهي خاضعةً لعلاقاتها وقوانينها الداخلية، لكنها ليست معطاةً سلفاً كالبيولوجيا. وليس هناك ما يبرر عدَّها قدراً نهائياً.
تخيل أنك تلفّ التلفاز بسلاسل صدئةٍ وقفلٍ مهترئ كي لا نشاهد ما لا تريد لنا مشاهدته! أو أنك تمسح أرقام المحطات عن لوحة المذياع كيلا نسمع محطاتٍ لا ترغب في أن نسمعها! أليست حماقةٌ مطلقةٌ في عالمٍ صار التلوث (الذبذبي) سمةً من سماته؟ طيب، كيف لو أنك قلعت عيوننا كيلا نرى الغواية! أو قطعت أيدينا كيلا نسرق! لا تضحك! هذه حقيقةٌ بسيطةٌ بقدر ما هي مؤذيةٌ. ومريعةٌ بقدر ما هي حقيقيةٌ! لا تفهمني فهماً خاطئاً. أنا لا أفكر بالاحتجاج على ذلك (قد أكون -تربيت- أخيراً!). كل ما أطمح إليه أن أفهم ذلك. أن أفهمه في العمق. أن أفهم كيف يمكن لبنيةٍ أن تدمّر نفسها في الوقت الذي تملك فيه كل الإمكانات لتجد مكاناً لها تحت الشمس. بل لتجد مكاناً أفضل!
لماذا يحدث هذا؟ كلما حاولت أن أشكو لك بعض همومي الشخصية أكلها الحديث وحوّلها إلى همومي العامة! أربعون عاماً مضت وأنا أحاول أن أخرج من هذه الدائرة دون أن أنجح. وكيف لي أن أنجح مادامت لم تعد هناك أرضٌ مشاعٌ لا أُساءَل حين أبني عليها بضعة حجارةٍ لتأويني. وحين أزرعها بضع حبات قمحٍ لتشبعني! ما دامت السماء لم تعد تكتفي بالقمر ذي الوجه المنير. بل ازدحمت بأقمار المعلومات والتجسس والبحث العملي.. والسياحة! ما دامت الحدود لم تعد هي الأنهار والبحار والجبال والوديان! ما دام وجودي معلقاً بورقةٍ موقعةٍ في دفترٍ كبير ينتمي إلى القرون الوسطى!
أعرف أنك ستقول لي إن ابن يقظان ليس إلا بطل تأملٍ. وأن الإنسان هو ابن بيئته. مع أنك كنت تقولها لتعيدني إلى (جادة الصواب)! يبدو أنك فشلتَ. مع ذلك أريد أن أقول لك إن إيجار بيتي، وعجزي عن تأمين مسكنٍ دائمٍ هو جزء من بيئتي! إن ملاحقتي لأرخص المواد الغذائية (وبالتالي لأسوئها) هي جزء من بيئتي! إن وقوفي أكثر من نصف ساعة في انتظار سرفيسٍ سأزاحم عليه كما تتزاحم الثيران على ماءٍ آسنٍ في مستنقعٍ صغيرٍ، وتذللي أمام موظفٍ لم ينتهِ بعد من تناول إفطاره هو جزءٌ من بيئتي! إن حرماني من قضاءٍ مدنيٍ عادلٍ ومستقلٍ، وتجريمي لقراءة صحيفةٍ لم تحز على ختم الرقابة، ومنعي من الإطلاع على نشرةٍ إلكترونيةٍ (خرجت) عن السرب، وتصفيدي بقانون مطبوعاتٍ أشد وطأة من قانون الطوارئ هو جزء من بيئتي! إن صدري المحشو بالقهر والنيكوتين، وعقلي المتخم بالخوف والحرية، وقلبي المترع بالحبّ والاضطراب هو جزء من بيئتي أيضاً!
أتعرف! كل ما أردت أن أقوله لك هو: كل عامٍ وأنت بخيرٍ، في عيد الأم! ليس من باب سخريتك المعتادة أن الآباء هم المظلومون بينما تفوز الأمهات بالتعاطف والأعياد. أقولها جاداً. ربما كانت معجزةً قبل آلاف السنين أن الأمهات يحبلن ويلدن. لكنها لم تعد  معجزة. كائنات الأرض جميعها يتكاثرُ جنسها بأشكال مختلفة. إنه أمرٌ متعبٌ وشاقٌّ ويستحق التقدير. لكنه ليس استثنائياً. الاستثنائي والمعجِزُ (والذي يصير يوماً بعد آخر أكثر استثنائيةً وإعجازاً) هو ما يلي ذلك: أن تعلمه كيف يشقُّ طريقه، إنساناً في غابةٍ ضاريةٍ دون أن يخسر إنسانيته ودون أن يخسر وجوده! أليس ذلك هو فعل الأمومة؟ بلى. وأنت فعلتَ ذلك.

*- جريدة "النور"- العدد (144)-  24/3/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS