مرة أخرى فاجأتني العاصفة التي كنت أعرف مسبقاً أنها آتية! بل أعرف قوتها وتوقيتها بالضبط! ومرة أخرى لم أكن مستعداً لها! تماماً كما لم أكن مستعداً لأي شيء لا أريده، رغم يقيني أنه قادم! كالحب مثلاً. كالموت. وكالاعتراف بالأخطاء التي أعمّر أسوارها حول عنقي دون أن أغفل لحظة واحدة عن التأكيد كم أثبت التاريخ صحة وجهة نظري!
يا لهذا التاريخ! لو أنه رجل حقيقي كما وصفته جداتنا (ليست جدتي التي لم يكن لديها أي فائض من الوقت لتحكي الحكايات) لَنَخَّ تحت كل ما نحمّله إياه! بل لربما طلّقنا طلاقاً بائناً لا رجعة فيه. ولماذا (ربما) هذه؟ ألم يفعل ذلك حقاً؟ انظروا جيداً: نحن في قلب التاريخ. والعالم برمته يحرك أصابعه في هذه البقعة من العالم. ووحدنا، ليس لنا أي يد فيما يجري هنا!
ليكن. لم يعد التاريخ يهمني. بل مضى وقت طويل على آخر مرة حلمتُ فيها أن يسجل التاريخ اسمي بأحرف من ذهب. أو أن يسجله على وجه الإطلاق. بالتحديد منذ عرفت أن التاريخ لا يعرف القراءة ولا الكتابة. وليس لديه صفحات ولا ريش! وأن من صاغ تلك الصفحات ليسوا إلا كتبة يجرّون وراءهم قبيلة من الأفواه الجائعة التي تحتاج إلى نقود لتشتري الطعام. والنقود في خزائن السلطان. والسلطان يطرب لسماعه اسمه يتدحرج من فم مجعّد على أنه التاريخ! وعرفتُ، في الوقت ذاته، أن الحياة تقبع في مكان آخر. في تلك الزوايا الصغيرة التي تلتمّ كل صباح لتشكل أجسادنا: عيوننا وأفواهنا وأيدينا وأقدامنا! ومن ثم تبثّ فينا روحاً جديدة مستعدة لتُدهَش حيث لا شيء يُدهِش! منذ عرفتُ أن الحب ليس تلك الكلمة الصغيرة التي نغمض أعيننا لنزينها بأجنحة الملائكة وبساتين الجنة. بل ذلك التواصل الدافئ الذي يعيد تشكيلنا حين يتكاثف الظلام ويشتد الصقيع. أن الحرية ليست ذلك التهويم الغارق في اللاشيء. والطامح إلى اللاشيء. بل تلك العلاقة بالغة المادية التي تجعل من المتناقضات كياناً متناغماً. أن العدالة ليست سيفاً مشرعاً وعيوناً معصوبة. بل قوانين محددة وحقوق وواجبات تساوي بين البشر، مهما كانوا، في الظروف المتساوية. أن الانتماء ليست تلك الورقة التي تُلصق عليها صورة مشوهة مختومة وموقعة. بل ذلك التفاعل الملموس في واقع يبدو لنا أنه لنا. أن البحث عن الخلود هو حلم أقل إغراء من البحث عن الابتسامة.
لكن ذلك كله لم يمنعني من أن تفاجئني العاصفة التي كنت أعرف مسبقاً أنها قادمة! لماذا حدث ذلك؟ ألم تكن لدي الوقائع والمعطيات التي تؤكد أنها قادمة؟ ألم يكن لدي الوقت الكافي لأستعدّ لها كما يجب؟ ألم تكن بين يدي الإمكانات كلها لأتعامل معها بعقلانية وبعد نظر؟
بلى. كل ذلك كان متوفراً. لكنه، كله، كان محاطاً بغلالة شفافة أتاحت لي أن أرى كل شيء كما يرى النائم في نومه المضطرب. أصرخ دون أن يخرج صوتي! أمد يدي دون أن تتحرك! أشاهد دون أن أبصر! غلالة مشينة هي الخوف. تلك الطاقة الساكنة التي تحتل المسام على مرأى ومسمع منّا دون أن نفعل شيئاً لنمنعها. وحين تنجز استيلاءها علينا، لا يبقى منا سوى شظية من الماضي تعتقد أنها في الحاضر!
الخوف! كم مرة تركنا الزهور لتذبل خوفاً من أن تجرح أشواكُها أصابعَنا؟ كم مرة أردنا أن نقول للآخر: أحبك. وصمتنا خوفاً مما سيلي ذلك؟ كم مرة كادت الابتسامة تعلو شفاهنا، وأعدناها خوفاً من أن لا يكون (الظرف مناسباً)؟ كم مرة حنينا رؤوسنا بدل أن نرفعها خوفاً من أن تُقصّ؟ مع أن الجرح في إصبعنا لن ينهي حياتنا. والتجربة ستزيدنا غنى. والابتسامة خاصية خاصة بالبشر. والرأس المرفوع دليل وحيد على الحياة!
ألم يحن الوقت لنمزق هذه الغلالة الشفافة اللعينة التي لم تجلب لنا سوى الانحطاط والدمار. سوى الموت المخبأ في ثياب زاهية! ربما آن لنا أن نخرج من هذه الشرنقة الضيقة الخانقة التي أمضينا العمر مختبئين فيها. آن لنا أن ندفأ بإشعاع الشمس ونتنفس أوكسجين الهواء. بدل أن ندفأ ببقايانا ونتنفس روائحنا. على الأقل الآن، بعد أن مرت العاصفة وانقشعت الغيوم، وعادت الشمس لتتربع في كبد السماء.