القصة وما فيها أن جلدي قد ضاق عليّ. ليست هذه هي المرة الأولى. وليست العاشرة. أعرف ذلك. وأعرف كم أثار ذلك من سخرية. ربما يكون من غير (الطبيعي) أن يمضي المرء أكثر من ربع قرن من (رشده) دون أن تستقر أفكاره، مشاعره، عمله، وحياته على وجه العموم. لكن هذا ما جرى، ببساطة شديدة، نافياً -في هذه الحالة على الأقل- إطلاق تلك المقولة الغريبة التي تدعي أن فطرة الإنسان هي الاتجاه إلى الاستقرار. دون أن تتمكن من رسم صورة واضحة لما هو عليه هذا الاستقرار. ودون أن تقدم أي تمييز مهم، أو مغرٍ للفرق بين الاستقرار والموت.
لماذا إذاً يجب أن أستقر؟ لماذا علي أن أنام في المساء وأنا أعرف، بالتأكيد، ما الذي سأفعله في الصباح؟ لماذا علي أن أعتقد بفكرة واحدة وأمضي بقية عمري أدافع عنها؟ لماذا علي أن أحمل تصوراً واحداً لكل متغير في الحياة؟
لماذا يجب أن أمضي عمري في عالم واحد. وطن واحد. بيت واحد. عمل واحد؟ ألا يحوّل ذلك الحياة إلى تشكيل ثابت آخر من الأرقام؟ أو لا تكفيني كل تلك الأرقام المستقرة التي تقرر وجودي من عدمه في هذا العالم، وهذه المنطقة، وهذا البلد، وهذا الزمن؟ هل تعرفون كم رقماً أحمل؟ رقماً في سجل كبير كتلك السجلات التي نراها في الأفلام الزاهية الألوان والباهتة الأفكار عن المرحلة العثمانية. يثير زوبعة من الغبار كلما حاولت موظفة جميلة أن تخرجه لتمنحني وثيقة هي الوحيدة التي تقرر حقيقة وضعي العائلي. رقماً آخر في وزارة الداخلية يقرر ترتيبي على بطاقة هوية ما أزال مجبراً على تسجيل معلوماتها كاملة في كراج البرامكة كلما فكرت في زيارة صديقي الذي يبعد بيته عن بيتي بضعة كيلومترات (هذا أمر طبيعي لأجل أمن البلد الذي يقتضي أن أبقى متهماً حتى يثبت الاتهام على غيري!). رقماً ثالثاً في السجلات العسكرية يثبتُ أنني قمت بواجبي تجاه وطني (وطني الذي فيه من يستطيع أن يستبدل واجبه هذا (بكمشة) من النقود. وفيه من يستطيع، لأنه ابن الست لا ابن الجارية مثلي، أن يستبدله بلا شيء). بضعة أرقام أخرى لا أعرف عددها في أبنية عالية تدخلها الشمس ويلعب بها الهواء النقي (وإن كانت قائمة على أقبية لا تعرف ما هي الشمس ولا ما هو الهواء مخصصة للاحتفاء بي!). رقم لبطاقة اشتراكي في مكتبة الأسد الوطنية (يجب أن تسمح لروادها بإدخال الأطعمة والأشربة في انتظار أن يأتي الكتاب المرغوب). رقم لبطاقتي في البولمان وأرقام مرفقة لأمتعتي المشبوهة. رقم لحارتي. رقم لبيتي.. وفي وقت ما، سيكون هناك رقم لموتي أيضاً!
هل خرجتُ عن السياق؟ صديق عزيز قال لي إن لدي مشكلة في السياق. فأنا أحشد الجمل والأفكار المعترضة بكثرة. وأدخل وأخرج كما لو كنتُ في متاهة. ضحكتُ وقتئذ، بينما ذهني يستعيد رد مظفر النواب حين سئل عن بذاءة شعره: أعطوني واقعاً أقل بذاءة! مع أنه يبدو لي فعلاً أن المشكلة هي مشكلة سياق. بالضبط: مشكلة سياق الحياة. فحين تكون الحياة مضطربة ومتغيرة بهذا القدر الذي نعيشه، يصير من الصعب الركون إلى جلد تكوّن في سياق مختلف.
في الحقيقة (حتى لو تقلبوا على ظهورهم اشمئزازاً مِن -في الحقيقة- هذه، أصحاب الآراء المضحكة عن الديمقراطية الذين يعتقدون أنها مطلق اللايقين في كل مسألة. بينما يمارسون أقصى اليقين خلف الستار!) لا بد للمرء أن يخرج من جلده بين وقت وآخر إذا أراد أن يؤخر موته ساعات إضافية. تماماً كالأفعى تلك التي صارت رمزاً للشر بعد أن كانت ذات يوم رمزاً للشباب المتجدد.