لست أدري إن كنتُ من أنصار تحرر المرأة أم لا.. فالحقيقة "بالنسبة لي!" أنه من الصعب على أي كان التنازل عن مكتسباته حتى لو كانت باطلاً. لا يختلف في هذا كبير عن صغير ولا ذكر عن أنثى، ولأن مجتمعاتنا كرست امتيازات على مدى تاريخ طويل، صار الأمر جزءاً من تكوين داخلي لا يسهل الصراع الجدي معه.
لا تختلف في ذلك المرأة عن الرجل، فكثيرات هن النساء اللواتي يرفضن التنازل عن "حقهن" بالمهر لأن الرجل غدّار والمرأة "كائن ضعيف"، فكيف إذا صارت مطلقة؟ وقلة من النساء تقبل أن تتزوج بغض النظر "بغض النظر وليس بالضدّ" عن قرار أبيها وأمها! والرجل، طبعاً، أسوأ حالاً في ذلك لسبب بسيط أنه الأقوى اجتماعياً "والقوة مقررة"، ولأن امتيازاته أكثر أهمية ومصيرية من امتيازاتها.
ثم لدي سبب آخر لترددي، قد يكون هو الأهم، فأنا أعتقد أن المرأة هي جزء من هذا التشكيل الاجتماعي الممتد عبر آلاف السنين، جزء خاضع للتراتبية وتقاسم الأدوار كما كل جزء آخر في هذا التشكيل. والاضطهاد الواقع عليها لا يختلف بشيء من هذه الزاوية، عن الاضطهاد الواقع على الرجل، والطفل، والعجوز، وعلى أحزاب المعارضة، وأصحاب الرأي المستقل..إلخ. رغم أنه يختلف من زاوية أخرى، فهي، بحكم موقعها في تلك التراتبية، تخضع للاضطهاد العام، ولاضطهاد من هو أعلى منها مرتبة اجتماعية أي الرجل.
هذا الاعتقاد دفعني لأفكر: كيف يمكن لامرأة أن تتحرر في تشكيلة اجتماعية- سياسية- اقتصادية يشكل الأمر الصادر من الأعلى أهم مقوماته؟ كيف يمكن لها أن تحصل التعليم المتطور إذا كان التعليم برمته فاسداً؟ كيف لها أن تستقل اقتصادياً حين تكون الأزمة الاقتصادية تضرب ذات اليمين وذات الشمال؟ كيف لها أن تفوز بحقوق سياسية ليست من حق أحد "إلا من يُرضى عنه"؟
لدى المدافعات عن تحرر المرأة أفكار أخرى كقوانين الولاية والوصاية والإرث والطلاق والجنسية وما إلى ذلك، وهن محقات في ذلك، لكني أتساءل: لماذا فشلت الحركة النسوية في تحقيق أي تقدم يذكر على مدى القرن العشرين "قرن الثورات الكبرى"؟ وكلنا يعلم أن ما حصل من تقدم أنجزه وأقره رجال بحكم تنورهم "أو مصلحتهم" لا بسبب من "ضغط الرأي العام"؟
هل أتجنى إذا أقول فشلت؟ ربما، لكن عدة ندوات تتعلق بقضايا المرأة كنت قد حضرتها أقنعتني بصفاقة، آخرها الندوة الإقليمية حول المرأة والمجتمع. تسعة محاضرين و"محاضرات" قدموا مداخلاتهم أمام.. ليس أكثر من خمسين شخصاً، نصفهم من المتفرغين كنشطاء في قضايا تحرير المرأة! وبعض الصحفيين والباقون من النخبة المثقفة.
أبديت ملاحظتي هذه لناشطة لها دور مهم في تنظيم الندوة: فأجابتني: "هذا طبيعي.. ألم يكن لينين نخبوياً؟". ربما كان لينين نخبوياً، لكنه ليس مقدساً أبداً ولم تصر سيرته "عندي على الأقل" "سنّة" جديدة! من ناحية أخرى لا أذكر لينين "النخبوي"، وأظن أن لا أحد يذكره، قدر ما يذكر في الاجتماعات التي تضم آلافاً من الناس. قد تكون النخبة آلافاً، هذا صح، لدي حجة أخرى، لقد تواصل في عدة سنين مع الناس حتى صار قائد ثورة "أخطأ أم أصاب"، بينما تمضي النساء الداعيات لتحرر المرأة أوقاتهن في تبادل الرأي بين قلة قليلة، حتى أن محاضرة عربية تساءلت "ليس بطيب نية": هل أتينا إلى هنا لنقول لبعضنا الآراء ذاتها؟ أليس بين الحضور رأي واحد مختلف؟
ربما صار عليّ أن أعيد صياغة المقدمة. أعرف جيداً أنني أناصر تحرر المرأة، لكنني أعرف أكثر أن الجوع والقمع والإقصاء والتهميش وإهدار الكرامة واللاقانون والاحتلال و.. هي جميعاً لا تلتقي مع الحرية. وأعرف أيضاً أنني لا يمكن أن أمارس على أرض الواقع اعتقادي بحرية المرأة في الوقت الذي ينوء كاهلي باللاحرية.