|
الاحتجاج بالاختصاص: هل هو وسيلة للتهرب من المسؤوليات؟ ردا على مقالة م. محمود عنبر |
|
الكاتب بسام القاضي
|
|
Sunday, 24 January 2010 |
نشر المحامي عبد الله علي دراسة هامة حول "دعوى الحسبة" في النسخة الطالبانية من مشروع قانون الأحوال الشخصية، وهي الفكرة التي لا تنتمي إلى دين أو عقيدة، بل حصرا تنتمي إلى الكهنوت الديني كما عرفناه في القرون الوسطى،
حيث لا يضع رجال الدين أنفسهم مكان الله على الأرض، بل إنهم يسخرون الله نفسه لشهواتهم اللامحدودة للسلطة. والذي خرجت عنه ما عرف في تلك القرون بـ"محاكم التفتيش"، وعرفت بصيغتها المتأسلمة بـ"الحسبة". فكلاهما ليسا إلى سيفا معلقا على رؤوس الناس بهدف إخضاعهم قسرا لتصورات ذلك الكهنوت.والدراسة هامة بكل المستويات. بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها في هذا التفصيل أو ذاك.الأستاذ محمود عنبر، نشر في "في كلنا شركاء" مقالة تحت عنوان "حوار مع مقال الحسبة في قانون الأحوال الشخصية"، لم تتناول المحور الرئيسي لمقالة الأستاذ علي، أي "الحسبة"، بل تناولت فعليا الرد واسع النطاق الذي حمى بلدنا من إدخاله في مستنقع الطائفية والوهابية بنسختها الأكثر تخلفا.فرد الأستاذ عنبر ركز اهتمامه بشكل واضح على الدفاع عن اللجنة السرية التي وضعت ذلك المخطط الرهيب، والتي أظهرت (ومن يدعمها) كل الحرص على أن تمرر مؤامرتها في أسرع وقت إلى حد أنها كانت تريد أن تنهي "مشكلة" اضطرارها تقنيا إلى توزيعها على جهات رسمية مختلفة في ظرف 3 أيام فقط! مما يؤكد بشكل نهائي أنها كانت على دراية كاملة بأية جريمة ترتكب بحق الشعب السوري. بل وحاول تبرئتها بأن لها "الطابع القانوني"! رغم أن جميع المهتمين/ات باتوا يعرفون اليوم أن هذه اللجنة ليس لها أي طابع قانوني، بل كانت لجنة مختارة بعناية بهدف تمرير تلك الأفكار الظلامية التي تحقق، بأفضل الطرق وأيسرها، التدمير الممنهج لجوهر وشكل الدولة الحديثة، وتستعيض عنها بسلطة رجال الدين. وهو ما سبق أن شرحناه مرارا، إن كان الأستاذ عنبر مهتم بالتفاصيل.واستند الأستاذ عنبر على مرتكزين أساسيين:1- الاختصاص: فقد اعترض على أن يناقش "غير المختصين" في القانون و"الشرع" مشروع قانون. وهو مرتكز مردود عليه نهائيا. فالمعرفة اليوم عامة، ولم تعد حكرا على الاختصاصيين، وذلك لا يعني أن غير أصحاب الاختصاص يضعون التفاصيل، بل يعني أن كل إنسان بات قادرا على استخدام علقه في أشد الأمور اختصاصا. وفي مجال القانون، فإن الاختصاص هو أمر هام بالطبع، لكنه أقل قيمة بكثير من حيث نقاش القانون. فالقانون هو أصلا نصوص لغوية واضحة الأثر عمليا. وبالتالي فالأمر لا يتطلب اختصاصا لتعرف أو لترى إن كانت مادة قانونية ما هي صالحة لحياتك أم لا. ولا لتعرف أية آثار إيجابية أو تدميرية سوف تترك.من جهة أخرى، فإن الاختصاص في مثل هذه القضايا لا يتطابق دائما مع "الشهادة الدراسية". ففي مجال الحقوق الذي نتحدث عنه مثلا، هناك الكثير من المختصين/ات ممن لم يدرسوا في كلية الحقوق، ولكنهم على دراية عميقة ومعرفة واسعة بتفاصيل القانون.اما الأهم، فهو أن القانون ليس اختصاص "قواعد"، بل هو اختصاص "رؤى". يعني أن القانون هو أولا، وقبل كل شيء، رؤية من يضعه للواقع الذي يضعه من أجله، ولمستقبل هذا الواقع. وبالتالي فإن الرؤية تشكل الأساس الأكثر أهمية في أي قضية تتعلق بتعديل قانون أو إنشاء قانون جديد.وبالطبع، هذا لا يلغي دور الاختصاصي في كل الجوانب التي تحدثنا فيها، ولكن دوره كاختصاصي يتجلى أساسا في وضع النصوص.هذا عدا طبعا عن أن هؤلاء الذين يحتجون بالاختصاص لا يعترفون أصلا على معرفة غيرهم. فمهما كانت معرفتك وثقافتك القانونية هي لا شيء ما لم تكن مطابقة لما يريدون. ومهما كانت تصوراتك الدينية هي لا شيء ما لم تطابق تصوراتهم. وليس أدل على ذلك من رفض البعض لقول كبار رجال الدين أن "جرائم الشرف" تخالف الإسلام في كبائر، أو أنها لا تمت للإسلام بصلة.. بل وساقوا ما شاؤوا من اتهامات لهم لتهميشهم وتسفيههم. والأمر نفسه جرى تجاه قانونيين/ات خالفوهم الرأي.2- الإشارات الغامضة إلى "تغيير الدستور". إذ لم يوضح الأستاذ عنبر بشكل دقيق ما الذي يقصده. لكن سياق رأيه يشير إلى أنه يدل على الفقرة الثانية من المادة الثالثة من الدستور، ,التي تنص على:"المادة الثالثة 1- دين رئيس الجمهورية الإسلام. 2- الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع."ومن الواضح أن الأستاذ عنبر يقصد أن على "الفقهاء" أن يقرروا ما المقصود بذلك. إلا أن هذا مرفوض من وجهة نظرنا. بالفقهاء ورجال الدين ليسوا إلا بشرا. وأحيانا يكونوا أقل من ذوي الاختصاص معرفة نظرا لغرق بعضهم المستمر، للأسف، في طيات الأوراق دون أن يقتربوا من الحياة الحقيقية، بل وساعين إلى قصقصة الحياة على مقاس ما قرؤوه بعد أن يصبغوا عليه أردية القداسة.وسبق أن قلنا أن كون الفقه الإسلامي مصدرا رئيسيا للتشريع، (وليس مصدر التشريع، ولا المصدر الرئيسي للتشريع) هو أمر لا غبار عليه. فالفقه الإسلامي هو من تراث المنطقة ويحمل الكثير من العلامات المضيئة، لكنه يحمل أيضا الكثير من التفسيرات التي كانت جيدة وباتت اليوم متخلفة، مثلما يحمل الكثير من العنصرية والطائفية وغيرها مما أخرج من "الفقه" ليدخل في دائرة "الإسلام". وبين الدين وفقهه مسافة لا يلغيها إلا من بلغ في جهله مبلغا عظيما، أو كانت نواياه مطبقة على تحقيق ما يريد بغض النظر عن أي اعتبار.كما نؤكد مجددا أن الإسلام، والأديان جميعا، وجميع العقائد السامية، تفقد كل قيمة لها وكل احترام في اللحظة التي تتفرغ من مقاصدها السامية التي هي الرقي بالإنسان، وتتحول إلى أيديولوجيات لاستعباده. والاستعباد هو الاستعباد سواء تذرع بالله، القومية، الجنس، أو أي مبرر آخر.أما الحديث عن "مستويات أعلى" و"مستويات أدنى" في موضوع يمس حياة الناس منذ وجودهم في رحم الأم وصلب الأب، وحتى ما بعد مماتهم، فهو حديث صحيح من زاوية الدراسة والتحليل، وخاطئ من زواية إقصاء الناس عن مسؤولياتهم تجاه ما يشرع ويقرر لهم. فهو قول حق غالبا ما يقصد به باطل. إذ إن ما يتعلق بالناس هو شأنهم بكل تفاصيله. ومن الغريب أن يسمي مواجهة مثل هذا المشروع الذي كاد أن يحول البلد إلى بؤرة طائفية مشتعلة تحتقر النساء وتعتبرهن في مستوى أقل من المحظيات، وتشرع اغتصاب الأطفال... أن يسميها "صراخا"! فيما لم نجد منه كلمة واحدة عن المشروع الذي تضمن دعوى "الحسبة" التي تسمح لي برفع دعوى قضائية للتشكيك بنسب الأستاذ محمود عنبر، كما بتطليقه من زوجته إذا عنّ لي أن رأيه، أو ما يفعله، يتعارض مع "الشريعة"!
بسام القاضي، 10/1/2010، نساء سورية، الاحتجاج بالاختصاص: هل هو وسيلة للتهرب من المسؤوليات؟ ردا على مقالة م. محمود عنبر
|